Make your own free website on Tripod.com

 

     جولة في كتاب دولة النجف للاستاذ محمد سعيد الطريحي
 

الدكتور محمد القريشي _ فرنسا
 

 

 إن صوتًا واحدًا شجاعًا أكثرية ....قالها الإمام علي u قبل أربعة عشر قرنًا وافتتح بها الأستاذ  محمد سعيد الطريحي كتابه الموسوم بـ ( دولة النجف) الذي تناول فيه مشروعا يتضمن الاستقلالية والسيادة لمدينة النجف داخل إطار السيادة الوطنية العراقية على غرار  النموذج الكاثوليكي في استقلال دولة الفاتيكان في إيطاليا  أو السيادة الرمزية   لأمارة موناكو في جنوب فرنسا.

ويتضمن المشروع في مقدمته سردا تاريخيا لمسيرة المدينة في وادي الرافدين المضطرب وتفاعلها وتأثيرها في الأحداث التي مرت بها الأمة الإسلامية في مختلف العصور ابتداء من مملكة الحيرة التي نشأت بأطرافها نحو عام 240 قبل الميلاد ومرورا بالفتح الإسلامي وتبؤها منزلة العاصمة للخلافة الإسلامية في عهد الخليفة الرابع الإمام علي u الذي وصفها بأنها "جمجمة العرب ورمح الله وكنز الإيمان" وازدياد منزلتها علوا وشرفا باحتوائها لمرقد ذلك الإمام الرمز.

ويتابع الكاتب في القسم الأول, تعاظم دور تلك المدينة وفقهاء الشيعة  أثناء الحكم العباسي وتبلور الهيكل الإداري لتسيير أمور حرم الأمام علي u  في عهد السدنة في القرن الحادي عشر الميلادي. وفي موقع متقدم يلقي الكاتب نظرة على الغزوات المتكررة والتخريب الذي تعرضت له المدينة  في القرون التي تلت, وصولا إلى فترة الاحتلال الإنكليزي للعراق ودور العلماء الشيعة في قيادة ثورة العشرين  ومن ثم أفول نجمها بعد تأسيس الدولة العراقية وتهميش دور الشيعة والكوارث التي تعرضوا لها في عهد البعث.

ويتناول القسم الثاني من الكتاب عرضًا لوضع  الدولة"المشروع" من حيث الموارد والصادرات واللغة والأعياد والتعليم وأمور أخرى من مقومات الاستقلال.

ويأتي القسم الثالث مفصلا لهيكل الدولة واليات عمل المؤسسات المختلفة بها والعلاقة فيما بينها, فيما يتناول القسم الرابع من الكتاب الاتفاقيات والعهود والقوانين الدولية التي تسير علاقة الدول التي لها وضع مماثل، وكذلك علاقة الدولة بالدين في المجتمعات المتطورة في عالمنا الإسلامي.

ولا يفوت الكاتب أن يعرفنا بتفاصيل الأزمات التي تعرضت لها الطائفة الشيعية على أنها نتيجة حتمية بسبب تهميش دور المدينة .

إن المتابع لمسيرة تلك المدينة المقدسة من خلال السرد التاريخي لكاتب متخصص في علوم المذاهب والأديان  مثل الطريحي يستطيع بسهولة تمييز استقلالية تلك المدينة من زاوية تعاملها  مع الأحداث التي مرت ببلاد وادي الرافدين  والحسابات الخاصة  التي أقامتها القوى الفاعلة بالتاريخ العراقي في تعاطيها  مع كيان المدينة "الدولة".

وتكمن حيوية  المشروع وأصالته في صدق العوامل المؤدية له من حقائق تاريخية ومواقف وكذلك المقومات الذاتية المتكاملة من موارد وصادرات وأمن وتعليم  وغيرها  من علامات الدولة الحديثة.

لقد تميز الكاتب في هذا المجال بالجرأة أولا لطرحه مشروعا من هذا النوع في فترة يعاني فيها العراق من نقص السيادة, وبالتمرد ثانيا لمناقشته خطوة متقدمة  للنجف مركز التشيع في العالم الإسلامي مع علمه بخروج الطائفة الشيعية توٌّا من أكبر مرحلة استضعاف  في تاريخها القديم والحديث.

وعلى الرغم من غزارة المعلومات و نجاح الكاتب في توظيف الحقائق والمصادر في خدمة المشروع إلا أن عدم التناسب بين ضخامة الهدف وما توفر له لحد الآن من مجهودات على مستوى الكتاب والنقاشات التي تلته والطاقات التي وضعت لتعريفه في المحافل المختلفة, حتى بدا وكأن الأستاذ الطريحي أراد, قاصدا " وهو مؤهل لذلك"  أن يتبوأ منزلة الرعيل الأول في قافلة الاستقلال التي اختطها وترك الباب مفتوحا للآخرين في السير على الدرب وسقي البذور .

ويرى البعض في المشروع انتفاضة سلمية تأخذ بزمام المدينة المقدسة وعلمائها  إلى ساحة الحداثة والتأثير في التراث الإنساني بشكل حضاري متميز .

 وهي في رأينا, ليست دعوة للتميز والانكماش بل خطوة  للانفتاح والاندماج على أرضية الحداثة والحيوية, وشجب الطائفية والسلبية في التعامل بين الشرائح المكونة للعالم الإسلامي…… وهي كما يرى الكاتب,  " دعوة لترتيب البيت الشيعي بتعاون عالمي يلم شتات أتباع مذهب آل البيت ويجمع القلوب المتفرقة ليرفع مقدرات كل من قال :لا اله إلا الله وإن محمدٌا رسول الله".