Make your own free website on Tripod.com

مقدمة في التاريخ السياسي للحوزة العلمية في النجف الأشرف

(أحداث وشخصيات)

محمد جواد الطريحي

 

عند دراسة تاريخ الحوزة العلمية في النجف الأشرف عبر امتدادها العريق في الزمن يكتشف القارئ المحقق وجود محطات كثيرة لم تزل تفتقر إلى التأمل والبحث من أجل التعرف على معالم وملامح الحياة في هذه الحوزة الرائدة بأبعاد متعددة أحوج ما نكون إلى معرفتها اليوم بسبب ما طال هذه الجامعة الإسلامية حاضراً من نقمة نظام صدام المتسلط على دفة الحكم في عراقنا الجريح ، وما حققه من حقده وكيده في التنكيل والتشريد والقتل والملاحقة لأبناء هذا الصرح الشامخ ولرادة الفكر الإسلامي وعلماء الشريعة الإسلامية من أساتذة وعلماء وطلاب .

فيا أسفي على (النجف) المغرّى

 

 

وأودية منوّرة الأقاحي

 

إن المتوفر بين أيدي القراء اليوم هو المطبوع من تواريخ النجف الأشرف ، وبالرغم من أهميته وسعته فإن طلاب الحقيقة في عالمنا المعاصر يتطلبون دراسات حديثة تمتاز بالدقة ، والموضوعية ، والحيادية خاصة وأن بين طيات ذلك التاريخ جملة وافرة مما يصلح مادة خصبة للإمعان في مواقف هذه الجامعة العلمية التي واكبت تطورات الأحداث السياسية والاجتماعية بموازاة ما كانت تسير معها قافلة البحث العلمي في علوم الشريعة الإسلامية كافة على صعيد واسع وبما رفد العالم الإسلامي بالتواصل الفكري ، ودعم حركة الاجتهاد التي تعبر في خطوطها الرئيسة عن أساس النهضة ، وحرية التعبير ، والطموح نحو تحرير الفرد والمجتمع ، والانعتاق من التسلط والسيطرة الأجنبية ، كما يمكن تفسير عمق الروح الثورية عند الشيعة الإمامية بأنه مؤسس على جذور التفكير الاجتهادي هذا الموروث الحضاري المنبثق عن مدرسة أهل البيت عليهم السلام ومنهجهم في الحرية والاستقلال ، وتنوير الأفكار بالمبادئ السليمة .

وفيما نتصفح الحلقات المطوية من تاريخ هذه الجامعة نجد أن لآراءها وأفكارها دلالة واضحة على هويتها المستقلة ، فيما تعبر به عن ذاتها وشخصيتها بقدر له أثره البالغ في صناعة النتائج ، ومعطيات الوقائع التي تجري على ساحة العالم ، وهو الأمر الذي يفسر طبيعة المواجهة القاسية من الطغاة والدول الحاكمة في العراق قديماً وحديثاً حتى اعتبرت (النجف) في الطابع العام لها بأنها تحمل راية المعارضة السياسية بحيث أصبح الحكام السياسيين أجانب أو محليين يحسبون لها حساباً دقيقاً وما يؤيد هذا الكثير من الشواهد والتصرفات وما آلت إليه حال النجف في مجتمعها الأصيل الذي تغيرت حاله اليوم كثيراً واُخترقت تركيبته الاجتماعية ، وبنيته العلمية والثقافية ، والاقتصادية فعاد لا يمثل من الواقع النجفي إلاّ اسمه .

لقد أثير حول جامعة النجف العلمية بأنها تتسم بانصرافها عن التدخل بالسياسة وذلك بمبررات كثيرة ، وعناوين مختلفة ساقها بعض المؤلفين لغاية في نفس يعقوب من أجل تحجيم الدور السياسي الفاعل لمدرسة النجف مع وضوح الصور الرائعة الدالة على وجود الوعي المبكر فيها لمجريات الأحداث التي تقع عالمياً ، أو إقليمياً ، أو محلياً كما أن هناك مبادرات إيجابية وصولات ميدانية تعتبر أساساً لجذور حركة الاستقلال ، ومحاربة الاستعمار والاستغلال وللدفاع عن حرية الإنسان وكرامته سواء في العراق المسلم أو بغيره من البلدان ..

إن سرعة ملاحقة الحدث السياسي واستيعابه ، وتكوين موقف عنه من قبل المرجعية الدينية وحوزتها له شواهدْ في التاريخ الحديث للمنطقة العربية والإسلامية بالإضافة إلى ما يؤيد ذلك مما دوّنه الأجانب زائرين أو مؤرخين أو جواسيس .

(إن لمكانة النجف السامية عند العراقيين وخصوصاً الشيعة منهم لخطورة موقفها السياسي عند الحكومة وقطعت عنها المواصلة ، وضيقت أدارتها حتى لا تكون للعشائر النازحة عنها كثير مواصلة معها لأنها تعلم مركزية النجف الدينية وأهميتها إذ هي المركز الوحيد للعلم ، وفيها المرجعية في الفتوى لسائر الشيعة في سائر الأقطار ، وإن الطوائف الشيعية تنظرها بعين التبجيل والاحترام وتشايعها في كل ما تشتهيه وتطلبه).(1)

وفيما نقتطف النقاط الدقيقة من تاريخ الحوزة العلمية في النجف بأبعاده السياسية فلابد في البدء أن نتلكم عن طبيعة هذا التاريخ ومزاياه ، وتحديد الأفكار والمبادئ التي تمثل المعطى الفكري ، والرؤية الأيدلوجية بما تتمحور به المعالم الرئيسة لهذا التاريخ الخالد .

أولاً :

تمتد أسس التيار السياسي في النجف الأشرف اليوم إلى جذور عميقة في التاريخ الإسلامي للمنطقة منذ اتخاذ الإمام علي (ع) مدينة الكوفة عاصمة له بعد أن قرر (ع) النقلة النوعية لعاصمة الدولة الإسلامية من أجل بناء المجتمع الإسلامي الرائد وتصحيح مسار الاتجاهات في تجربة (الدولة) التي انطلقت من (المدينة المنورة) ، ولتحقيق (النموذج) في القيادة والإدارة والحكم ، ومن يومها أصبح للحركة الشيعية دورها الرائد في الاستقطاب للمعارضة التي تحملت عبء المسؤولية في مخاض صعب لم تزل ولادته تشكل الموروث السياسي لتراث الحوزة العلمية في تاريخها الحديث وبرزت على ساحة المواجهة المباشرة وغير المباشرة مع السلطة ظاهرة الملاحقة والتضييق ، والصراع الحاد على صيانة (الشرعية) ، ومنذئذ كان الهدف الأساس هو التنظير لجوهر الإسلام في محتواه السياسي والديني معاً على صعيد التكامل في شخصية التشيع التي اتسمت بالنهج الثوري دون قيود الزمان والمكان .

وعبر التاريخ أثبت هذا التيار السياسي صلابته وصموده ، ووقوفه بقدرة فذة منطلقاً من مبادئه وتكوينه العقائدي ، وبإيمانه الذي استمد منه نجاح التجربة في النضج والوعي وتقويم الأوضاع السياسية العامة بتمام الحذر لمواجهة الحدث السياسي والتصدي له بوسائل متعددة كان من أهمها الرد على الإنحراف السلطوي بالرفض وإلغاء المساومة على حساب المبدئية ، ومن ثم الثورة التي اتخذت الأسلوب العسكري في كثير من الأحيان ..

وبين الاخفاق والانتصار كانت هذه الأفكار مصدراً للركائز السياسية التي تمثل الحركية الثورية الممتدة عبر مساحة التشيع الذي حمّلت النجف الأشرف باعتبارها العاصمة الكبرى ـ ثقل مسؤولية الحفاظ على هذا المنهج الثوري ، وكان لمنعطفات ذلك التراث واتجاهاته بصماته المؤثرة على الفكر الإسلامي بما سطره فقهاء النجف الشيعة بموسوعاتهم العلمية في فقه الشريعة لتحديد المواقف ، وتوجيه الاتباع ، وقيادة الجموع ، وعلى هذا الأساس يمكن تفسير غاية السمو النفسي والإنسانية الكاملة في تحديد مفهوم الظلم الذي يعتبر شرعاً (من اعظم ماحرّم الله تعالى) (2) في ضوء نظرية القرآن الكريم الذي يعتبر (الاعتداء على الظالم بمثل ما اعتدى جائزاً في الشريعة) (3) . وكذا الدعاء عليه جائز مباح خاصة إذا كان الظالم (يعتدي على الناس ، وينهش أعراضهم، أو ينهب أموالهم ، أو يخدعهم فيورطهم في المهلكات ، أو ينبزهم ويؤذيهم، أو يتجسس عليهم .. فهؤلاء أبعد الناس عن الله تعالى وأشدّهم إثماً وعقاباً ، وأقبحهم أعمالاً وأخلاقاً..) (4) .

(لقد جاهد الأئمة عليهم السلام في إبعاد من يتصل بهم عن التعاون مع الظالمين ، وشددوا على أوليائهم في النهي عن مسايرة أهل الظلم والجور وممالأتهم ، ولا يحصى ما ورد عنهم في هذا الباب ، ومن ذلك ما كتبه الإمام زين العابدين (ع) إلى محمد بن مسلم الزهري بعد أن حذره عن إعانة الظلمة على ظلمهم .. ومنها قوله (ع) فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك ، وحاسبها حساب رجل مسؤول ..) (5) وكذلك تصوير حرمة معاونة الظالمين في حديث صفوان الحبّال مع الإمام موسى الكاظم (ع) قال : دخلت عليه فقال لي : ((يا صفوان كلّ شيء منك حسن جميل ، إلا شيئاً واحداً)) .

قلت : جعلت فداك ! أيّ شيء ؟

قال : ((إكراؤك جمالك من هذا الرجل ـ يعني هارون ـ)) .

قلت : والله ما أكريته أشراً ولا بطراً ، ولا للصيد ، ولا للهو ، ولكن أكريته لهذا الطريق ـ يعني طريق مكة ـ ولا أتولاّه بنفسي ، ولكن أبعث معه غلماني .

قال : ((يا صفوان أيقع كراؤك عليهم؟))

قلت : نعم جعلت فداك .

قال : ((أتحب بقاءهم حتى يخرج كراك؟))

قلت : نعم .

قال : ((فمن أحبّ بقاءهم منهم ، ومن كان منهم فهو كان ورد النار)) .

قال صفوان : فذهبت وبعت جمالي عن آخرها (6) .

ثم نجد الكلام مفصلاً في باب حرمة الوظيفة في الدولة الظالمة .. والكلام عن هذه الدولة باللغة الفقهية باب له تفاصيله المطروحة في كتب العلوم الشرعية .


(1) الشيخ جعفر محبوبة ، ماضي النجف 1 : 28 .

(2) و (3) و (4) و (5) أنظر المظفر ، عقائد الإمامية 377 ـ 384 .

(6) رجال الكشي : 440 ح 828 .