Make your own free website on Tripod.com

 

العراق في الفؤاد ..
 

هل من الصحيح أن يطول صمت المثقفين العراقيين لمدى أطول ..؟
 

الصمت في الأدب العربي ليس من الطيبات ، خاصة الصمت في قضية الوطن ومعاناته من الإسهاب في انقسام الآراء ، وانقسام المواقف ، وانقسام الناس تبعاً لذلك انقساماً مكلفاً يزيد من خطورة الوضع في المستقبل . ونحن ، هنا في هولندا ، من أهل البيان في الثقافة العراقية لن نغمض عن الحق . نجد أن الحديث لابد أن يدور حول واقعنا الراهن ، ونجد أن من موفور الواجب أن نتكلم بضرورة إصلاح ذات البين ، وندعو إلى أن يكون منبر الثقافة العراقية منبراً واحداً يخطب فيه الجميع عن أمورنا التي احمرت من أجلها عيوننا ، بتعدد الآراء والبيان والحجة ، مناجين العراق كمجتمع وكإنسان ، باليسر المهذب وبحسن الجدل وغزارته ، منتسبين جميعاً إلى أرضه وإلى روحه التي قدمت أفضل الكلم وأحسن قلاداته في التعبير والشعر والأدب والحكمة حتى وصلت ثقافتنا إلى ذرى المجد ، حين شيد العراقيون ، الأجداد والآباء ، أركانها العتيدة وعجلوا في نشرها في بقاع مختلفة من العالم على مر العصور .

فمما لا شك فيه إنه لا يمكن تصور وجود ثقافة عراقية متطورة من دون وجود إنسان عراقي متعلم يعيش في ظل ظروف مستقرة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً . بل يمكن الجزم بأنه لا يمكن حصول تراكم ثقافي في وطننا من دون وجود هذا المثقف المستقر في المكان والمتحرك داخل الزمان .

بالأصل أن أي إنسان هو جزء مهم من المكان والزمان في أي بلد وفي أي بقعة في الكرة الأرضية ومهما كان شكل النظام السياسي بشرط أن يكون موفراً حرية الرأي والتعبير لمثقفيه ولعامة المواطنين .

على مر العهود وبتطور المجتمع العراقي منذ البابليين ، مروراً بالعصور الإسلامية ، وحتى الآن ، أصبحت في العراق ثقافات متفاوتة ومتنوعة ولكل منها سمة خاصة تميزها .

يعني هذا أن التنوع الثقافي العراقي حقيقة موضوعية موجودة في التركيب الاجتماعي للمدينة العراقية ولتركيبة الشعب العراقي نفسه ومنعكسة أساساً عنها . ولا نغض النظر هنا عن واقعية أن التقلبات السياسية في العراق منذ فترة طويلة لم تستطع أن تحجب تنوع الثقافات العراقية القومية منها والدينية والمذهبية والطبقية أيضاً . وقد تناقلت الأجيال ، واحداً بعد آخر ، التراث العقلي لثقافتنا المشهود لها في هذه الربوع الغربية بما تستحقه من قول وتقييم ، على مر الزمن ، برغم أن عدداً من أنظمة الحكم المتعاقبة سلطتها في بغداد جابهت هذه أو تلك من ثقافاتنا ، في هذه الفترة أو تلك ، لكن الزمن ظل حافظاً لها ، مبعداً عنها ابتذالاً أرادوا أن يلبسوه لها ، ومنقحاً لها لسانها الأصيل وعلومها الثرة وأفكارها الجدلية المفحمة التي تعمدوا قطع أنسالها .

من هذا المطلق ننظر ، نحن هيئة تحرير الديوان ، إلى الأصالة والمعاصرة في إبداع مثقفينا العراقيين على اختلاف آرائهم وانتماءاتهم وقومياتهم ومذاهبهم الدينية التي ما أوقفت عزها وغناها .

نحن آتون إلى قرائنا في بلدان الشتات والمنافي كديوان العراق كله ، حاملين في مآقينا رجاءً وأملاً في أن نعبر عن ديوان البيت العراقي في أرض الوطن أيضاً . ونحاول أن نكون في شماله ووسطه وجنوبه ، ولسنا مضيعين عنه في بلدان الغربة والمنفى .

لقد اكتوى شعبنا ووطنا بنيران الفرقة وبأسباب الاحتراب غير الموضوعي. وقد آن أوان رفع الصوت ، وأن نقلل تلقيب مناقلات ظلام الماضي وصدوعه، وأن نتخلص من سوء العادة في الحوار المتهاتر أو المتشاغب أو التغالب . ومن أجل أن نكون عراقيين حقاً وصدقاً يجب أن نكثر الحديث لنعرف ، وأ، نبدأ الجدل لنتعافى ، وأن نقيم في ديوان واحد لنزيد حرصنا على بلدنا ، وأن يشهد بعضنا للبعض كي تلتقي ألسننا في الطريق الواحد .

أول قول الصواب يجب أن يبدأ لدينا جميعاً بمعرفة أين موقع النار اللاهبة التي تمنعنا من رؤية الطريق القويم والآمن كي لا تغوص أقدامنا في رمال المتاهة إذا ابتعدنا عن النار . فشدّة التغييرات التي حصلت في وطننا العراق طيلة القرن الماضي تلقي على الجميع مهمة التكاتف ، وبتفاؤل تام ، من أجل الوصول بالشعب العراقي إلى شاطئ الأمان لبناء هيكل جديد النوع للدولة العراقية يؤمن فيه حقوق الجميع ، جميع العراقيين . فلا فضل لعراقي على آخر إلاّ بمقدار عمله المتميز في بناء مؤسسات دولة الغد التي تحقق للفرد خلاصاً من الرعب ، وحقوقاً كاملة في العبادة والعقيدة والفكر ، وفي العيش المكفول والمستقر وفي تعضيد جهد الشعب الموحد كله يؤدي كل مواطن دوره الاجتماعي المتقابل داخل المجتمع الموحد ، عند ذلك تزدهر من جديد ثقافاتنا المتعددة الأشكال والمعاني .

                                                                                                                                           (الديوان)