قبيلة حجام ورئيسها كاظم الريسان

 

محمد سعيد الطريحي

 

إنتقل إلى رحمة الله تعالى في 10/6/2000 بمدينة أوتريخت Utrecht الهولندية الشيخ كاظم الريسان زعيم قبيلة حجام العربية المعروفة في جنوب العراق ، وبهذه المناسبة نقدم هذه اللمحة الموجزة عن تاريخ هذه القبيلة ورئيسها الراحل .

(حكّام) بكاف مشددة في الأصل وتنطق اليوم بجيم فارسية قريبة من الشين قبيلة قديمة ، تنتسب إلى ربيعة ، وذكر ياقوت في معجمه (الحكّامية) قال وهي نخل باليمامة لبني حكام قوم من بني عبيد بن ثعلبة بن حنيفة بن لحيم (بالحاء) .

وحنيفة هذا أخو عجل بن لحيم ، وفي العبر : وكانت منازل بني عجل من اليمامة إلى البصرة ثم خلفهم الآن في تلك البلاد بنو عامر المنتفق . وبحسب الراية والنخوة والتقسيم العشائري فإن (حجام) اليوم تعتبر من بني مالك في قبال آل الأجود وبني سعيد ، ولها نخوتان الأولى : (أخوة عليه) والثانية هي (مزايدة) أو (زيود) ويظهر إن النخوة الأخيرة نسبة إلى زيد بن عبيد بن ثعلبة بن حنيفة (المذكور) وتمتد منازل القبيلة في الفرات الأوسط وخاصة في ناحية الفجر وسوق الشيوخ والنعمانية ومنازل أولاد عمومتهم من بني عجيل في أرض المجرة وسوق الشيوخ وبين قلعة سكر حتى قضاء الحي .

ومن الأفخاذ التابعة للقبيلة في سوق الشيوخ :

1 ـ فخذ ألبو غطيش وهم حمولة الرؤساء ومنهم آل الريسان وآل فندي.

2 ـ فخذ الدحلة .

ويتبعهم آل صالح ويرأسهم آل جناح ، وظاهر آل حاتم (الذي حُرق مضيفه وداره في انتفاضة 1991) . كما يتبع هذا الفخذ آل حسين ويرأسهم حسين آل ياسر . وآل ديوان ويرأسهم سعدون الحسين وآل فرحان ويرأسهم حسن الطعمة .

3 ـ فخذ العتيبة ويتفرعون إلى :

آل شحيل (يحيى الحاج حسين) وآل خنيفس (شياع اللبط) وعبد الحسين نافج .

4 ـ آل جمعة (الحاج حسين الجابر وضايف الجوده) .

5 ـ وأهل الشاخة (آل عطية وآل خليفة ويرأسهم رويشد الوادي) .

6 ـ الزويدات (ويرأسهم مصيجر الفاضل) .

وهناك تفرعات كثيرة تنتسب لهم مثل (الطعيمة ـ ألبو فضل ـ ألبو قريش ـ البو خرسه ـ أولاد شمس ـ ألبو دلي ـ أولاد علي ـ ألبو عطي ـ آل حطحوط).

ومن الأسر العلمية المعروفة في النجف أسرة (آل الحجامي) وهي من بني حجام نزح أجدادهم إلى النجف وأصبح الكثير منهم من الفقهاء والعلماء والشعراء .

وأول من سكن النجف منهم آية الله المجتهد الشيخ طاهر بن الشيخ عبد علي بن الحاج عبد الرسول الحجامي ولد حدود سنة 1200هـ في سوق الشيوخ وتوفي فيها 1279 وكان مؤلفاً أديباً ومن شعره :

العز والمجد والعلياء من إربي

 

 

والحزم والعزم والإقدام من حسبي

 

ولم تزل ترتقي بي للعلى همم

 

 

حتى سموت مناط الأنجم الشهب

 

ومن أعلام هذه الأسرة العلماء الشيخ دخيل الحجامي (1245 ـ 1285هـ) والشيخ حسن بن الشيخ دخيل (1290 ـ 1367هـ) والشيخ محمد جواد ، والشيخ علي بن الشيخ طاهر وكان قد ذهب بصره في صغره وكان من تلامذة الشيخ مرتضى الأنصاري يقول له أستاذه هذا : أنت حجة الله علي وأنا حجة الله على الخلق ، وذلك لعلمه وتقواه وصلاحه .

ومشيخة حجام اليوم إنحصرت بآل الريسان نسبة إلى الشيخ ريسان آل كاصد آل ناهي ويظهر أن أسرة المشيخة هذه كانت متوطنة في ضواحي الحلة وبعد صراع مع القوات العثمانية انتقلت إلى سوق الشيوخ ، وفي عام 1914 ساهمت مع بقية العشائر في تلبية نداء المراجع الشيعة للمقاتلة مع الأتراك ضد الاحتلال الإنجليزي ويومها استشهد الشيخ علي خان أخ الشيخ ريسان ودفن في الشعيبة ، وساهمت العشيرة في ثورة العشرين ، وأصبح لرئيسها الشيخ ريسان الكاصد مكانة خاصة بين شيوخ قبائل الجنوب لما عُرف به من حنكة وحكمة والتزام بالقيم والعشائرية وبدأ نجمه يظهر في بداية الثلاثينات كرجل العشائر المؤثر القوي وحين صدر الميثاق الوطني الشعبي الذي دعا إليه الإمام محمد حسين كاشف الغطاء في 18 ذي الحجة 1353هـ ـ 23 مارت 1935 كان الشيخ ريسان الكاصد أول وآخر من التزم بكلمته من أجل هذا الميثاق وقد أثبت فعلاً بأنه رجل المبادئ الذي لا يتخلى عن كلمة قالها مهما بلغت الخسائر ، وكان الميثاق بالنسبة له التزاماً دينياً بمرجع يقلده وهو الإمام كاشف الغطاء الذي يرجع بنسبه إلى قبيلة (مالك) التي ينتسب إليها الريسان والتزاماً وطنياً بعد أن أجمعت القبائل التي ناصرة الوزارتين : الأيوبية الأولى والمدفعية الثانية ثم جاهرت بالعداء الوزارة الهاشمية على تأييد هذا الميثاق ، ثم بدأ رجال تلك القبائل الانسحاب من التأييد الواحد بعد الآخر خوفاً أو رغبة ولم يبق في الميدان إلاّ شيوخ بني حجام وفي طليعتهم الشيخ ريسان الكاصد والشيخ مزهر الكاصد والحاج مزهود الفندي .

ولم يحل القسم أمام سيدنا العباس عليه السلام بقية شيوخ القبائل من أن ينسحبوا من ميدان المعركة ويهادنوا الحكومة وهكذا اندلعت ثورة سوق الشيوخ والبعض يسميها بثورة ريسان ، وحاصر رجال حجام مع من يتحالف معهم مخافر الشرطة وقطعوا المواصلات ، وثار الشيخ منشد الحبيب وكاطع البطي وعجيل آل تويلي وكانوا قد اجتمعوا على احتلال الناصرية لكنهم عدلوا عن ذلك ثم تعهدوا أمام خيون العبيد الذي أرسل من قبل وزير الداخلية رشيد عالي الكيلاني على ضرورة تسوية الخلاف مع السلطة !

وبعد مراسلات واجتماعات متعددة سعى رئيس الوزراء ياسين الهاشمي ووزير الدفاع جعفر العسكري مع تدخل الشيخ كاشف الغطاء والشيخ محمد حسن حيدر والشيخ عبد الحسين مطر رأى رؤساء الناصرية مهادنة الحكومة والتزم الجميع بذلك عدا الشيخ ريسان الكاصد وحين ذاك تألف وفد يضم : خيون العبيد ، وموحان الخير الله ، وصكبان العلي وشيوخ بني ركاب وغيرهم فتوجهوا إلى الشيخ ريسان لإقناعه بوجوب إلقاء السلاح وفسح المجال للحكومة لإعادة احتلال قصبة سوق الشيوخ ووعدوه باستحصال عفو عام عن المشتركين بالثورة ، فردّ الحاج فرهود الفندي على الوفد أن لدى الثائرين ميثاقاً يجب أن ينفذ أولاً ، لتعاد السيوف إلى أغمادها ففشل الوفد ثم توسط الشيخ حسن البدر الرميض فلم يوفق للصلح أيضاً .

وعند ذلك اشتد حنق الحكومة على قبيلة حجام ، وفي 25 مايس 1935 إلتقى السيد عبد المهدي المنتفجي والحاج خيون والشيخ موحان والشيخ صكبان ومحمد آل شلال بوزير الداخلية الذي قصد الناصرية يومها واقترح عليهم الوساطة لحل الأزمة ولغيظه من قبيلة حجام أفاد الوزير أن العفو الحكومي لو حصل لا يشمل الرؤساء الثلاثة : ريسان ومزهر الكاصد ، وفرهود الفندي ، وإن يسلّم هؤلاء أنفسهم من دون قيد وشرط وفعلاً ذهب حدود 50 شيخاً من الرؤساء إلى الناصرية لإظهار الطاعة فتقبل الوزير دخالتهم وعفى عنهم ولما تخلى الجميع عن الثورة أسقط في أيدي الرؤساء الثلاثة فذهبوا إلى مضيف الشيخ بدر الرميض رئيس بني مالك وبعد أن استعاد الجيش قصبة السوق ، صب جام غيظه على قبيلة حجام ودمر دار ريسان ومزهر وفرهود تدميراً كاملاً وحرق مضايفهم وقطع وحرق النخيل المنتشر في مضاربهم وأمام هذا الحالة لم يجدا بُدّاً من التسليم لأمر الله تعالى فقبض عليهما غدراً وفي طريقهما إلى وزير الداخلية مرّا بمنازلهما المدمّرة فأصيبا بحزن شديد وعندما انطلقت قريحة الشيخ ريسان الكاصد بأبيات مؤثرة ختمها بهوسة يقول فيها (كم فوج اذبح لك يا داري) وحين قابلهما الوزير رشيد عالي اكتفى بإبعادهما إلى الرمادي ثم أفرج عنهم بعد ثلاثة عشر شهراً.

وفي العام 1947 انتخب الشيخ ريسان كعضو في البرلمان العراقي وبعد معاهدة بورتسموث استقال سنة 1948 وبقي شيخاً مهاباً وقوراً لدى كافة فئات العراقيين حتى وفاته سنة 1961 .

الشيخ كاظم الريسان

هو آخر زعماء هذه القبيلة ولد في 28/1/1928 ، تولى المشيخة بعد وفاة والده ، وقد حمل من صفات الشيخ ريسان أكثرها ، كان عزيز النفس جداً يأبي الدنية وجريئاً مقداماً شجاعاً كريماً شديد الغيرة على قومه عطوفاً على الفقراء والكادحين ، وفي بداية مشيخته واجه التصرفات الصبيانية في الناصرية بعد حركة 8 شباط 1963 فاعتقلته الحكومة لمدة شهرين ولما خرج من السجن أعلن العصيان المسلح لمدة سبعة أشهر حتى إلى أن تفرد عبد السلام عارف بالحكم .

ومن الأحداث الكبيرة التي شارك فيها الشيخ كاظم انتفاضة عام 1991 فقد كان له الدور الأول في ثورة عشائر سوق الشيوخ ضد السلطة وتقدمت عشيرته بقيادته فاحتلت سوق الشيوخ ثم الناصرية وحدثت معارك عنيفة مع الجيش أصيب بها الشيخ كاظم بشظية في صدره وأصيب شقيقه الأصغر الشيخ خالد الريسان بجروح واستشهد ابن عمه حيدر علي وصابر عبد ومحمد جواد السهر وأعداد كبيرة من عشيرته والعشائر الثائرة الأخرى معه وفي هذا الهجوم سقطت مدينة الناصرية وأسر قائد الجيش نزار الخزرجي مع ستين من أفراد الجيش بين ضابط وجندي وبقيت عشيرته حجام بقيادته تحتل مدينة الناصرية لمدة ثلاثين يوماً إلى أن سمحت القوات الأمريكية للجيش العراقي باستخدام الطائرات والصواريخ البعيدة المدى فاضطر الثوار للانسحاب إلى مدينة صفوان على الحدود الكويتية ، وحين تقدم الجيش إلى مضارب حجام أحرق مضيف الشيخ كاظم وكذلك داره ونهبت أمواله كما أحرقت مضيف ودار الشيخ هلال الكاصد والشيخ ظاهر آل حاتم .

وبعد مضي شهرين في الصحراء دخل الثوار إلى المملكة العربية السعودية وتم إسكانهم في مخيم عرف باسم معسكر الريسان قرب مدينة (رفحاء) ، ومع مجيء الوفود الأمريكية والأوربية عرض رؤساء الوفود السفر إلى بلادهم فرفض رفضاً باتاً ولما اشتد عليه مرضه غادر السعودية إلى هولنده ومنح حق اللجوء السياسي واعترته في هولنده مشاعر الغربة والنفي والبعد عن الأوطان، وكان أكثر ما يؤذيه قلة الرجال المخلصين للقضية العراقية والوطن المستباح وأطبق عليه المرض بكلكلهِ وقضى ما يزيد على السنة في المستشفى ثم انشب الموت أظفاره في الرجل الذي افتقده العراق في أحرج اللحظات التي يمر بها ، وكما قلت في كلمتي التأبينية يوم وفاة هذا الشيخ الشهم بأوتريخت Utrecht إن حزني على البلد الذي أضاعه لم يقل عن حزني على فقده . رحم الله كاظم الريسان وحشره مع الشهداء والصالحين .

قالوا في الفقيد

     ·    لقد أثريت يا أخي قافلة الأحرار والشهداء ومضيت واقفاً شامخاً كشموخ نخل العراق عندما تموت وهي واقفة تتحدى الذل والانحناء .. مضيت صُلباً كصلابة جبال شمالنا الغالي وهي تواجه عاديات الزمن بعمود لا يقهر .. مضيت كثبات دجلة والفرات على البقاء رغم ولوغ الكلاب في مائها العذب النقي .. وستبقى فينا فكرة ومنهجاً وموقفاً نحميه بحدقات العيون ونعضّ عليه بالنواجذ رغم الجراحات ووعورة الطريق .

محسن الريسان

     ·    حبى الله الشيخ كاظم الريسان بمال وجاه واتباع والكثير من غير ذلك ، ولكن كل ذلك لم يثنه عن أخذ زمام المبادرة عندما حانت الفرصة المناسبة لتخليص العراق وشعبه من نظام دموي قل نظيره في العالم . كان المغفور له بيرقاً من من بيارق الانتفاضة العظيمة عام 1991 ، وإن رحل عنا جسداً فإنه لم يرحل عنا بذكرياته ومآثره الحميدة الحجة .

الشيخ حسين الشعلان