Make your own free website on Tripod.com

القفة

هاك دجلة ، وهاك القفة فيه . تلك القفة التي صنعت بعد الطوفان في مرفأ أور الكلدانيين . وهي اليوم ، كما كانت في زمن العباسيين على الأقل ، تصنع من الخوص ، وتطلى بالقار داخلاً وخارجاً . فلو عاد إلى هذا الوجود أحد نوتي بغداد القديمة لكان يهلل للقفة ، ويحمد الله أنها لا تزال على شكلها الأول ، وأن ألف سنة لم تغير شيئاً فيها . وقد يكون النوتي البغدادي الذي يحرك بحذافها اليوم من سلالة صياد الرشيد ، وقد يكون الجد كذلك لسلالةٍ مقبلةٍ من الصيادين تستمر ألف سنة أخرى . فيجيء رحالة القرن الحادي والثلاثين ، ويقف فوق دجلة على جسرٍ معلق من حديد ، فيرى القفة ، ويعثر بعد ذلك على نسخةٍ من هذا الكتاب ، فيستشهد مؤلفه على ألف سنة في الأقل من عمرها .

وما هذا كل ما في القفة . فبينا صاحبها يجذف من حين إلى حين ، ليحفظ خط سيرها في مجرى النهر ، يبدو لك كنز آخر من الكنوز التي لا تمسها يد الفناء  ، ولا تعبث بها يد التغيير . هناك ، على وجه دجلة ، في صباح يوم شمسه كريمة ، ترى اللؤلؤ في نقط الماء التي تتساقط من المجذاف ، وهو يرتفع فوق الموجة ، وترى حول الموجة ، وهو يغطس فيها ، ذوب اللجين وقد تخلله الذهب الوهاج .

فلو عاد إلى الوجود شاعر من شعراء نينوى ، أو غادة من غيد بابل ، أو كاهن من كهان أور لهلل لهللوا كلهم لهذه الشمس الشارقة ، المقيمة على عهدها ، الثابتة في خيرها ، النائرة على دجلة ، حتى حول مجذاف ((القفاف)) لؤلؤ الذكريات ، وذهب الآمال الذكريات والآمال التي تنعشنا اليوم وتحيينا ، كما أنعشت وأحيت أهل أور ، وأبناء نينوى وبابل .

قفة ، كَفه

جاء في المصادر المسمارية الكلمة الأكدية (البابلية والآشورية) المضاهية لكلمة قفة العربية والدارجة ((كَـُفه)) بهيئة ((قُفُّو)) (Quppu) ، ويبدو أن استعمالها في الأكدية استعمال قديم فقد وردت في أسطورة سرجون الأكدية الشبيهة بقصة موسى حيث وضعته أمه في قفة ورمته في النهر وانتشله الساقي ((آكي)) 169 (أنظر معجم CAD).