Make your own free website on Tripod.com

مفهوم الشيوعية وفتاوىعلماء الشيعة

 

إنّ الخوض في مثل هذا الحديث بالغ الحساسية ، وفيه من تشابك الابعاد وتعقدها ما لا يمكن رؤيتها بوضوح ، ولم يبق أمام الكاتب إلا الاستنتاج الواعي والمحايد ، ولي في الآية الكريمة نهجاً ومبدأ حيث يقول عزّ من قائل " وإذا قُلتم فأعدلوا ولو كان ذا قربى " ومن هذا الباب لابُدّ من توضيح جملة أشياء سبقت ما أريد الحديث عنه كي يستبين الأمر للقارئ في نظرة شمولية لمفهوم الشيوعية ولموقف علمائنا الأفاضل الشيعة منهم على وجه الخصوص منها .

فالدولة الملكية التي قامت في العراق عام 1921 ، كان ظاهرها دولة مستقلةً أما من داخلها فكانت تدين بتبعية رجالها السياسية والإدارية الى بريطانيا عن طريق مندوبها السامي في بغداد أو عن طريق سفارتها بعد ذلك .

وقد أحسن شاعرنا الرصافي وصفها حين قال :

علم ودستور ومجلس أمةٍ

 

كلُّ عن المعنى الصحيحِ محرّفُ

 

أسماءُ ليس لنا سوى ألفاظِها

 

أمّا معانيها فليست تُعرفُ

 

ومع هذه الكبول كانت الدولة تعاني مشكلات موروثة عن العهد العثماني هي الفقر ـ المرض ـ الجهل هذي الاقانيم التي لا زالت دول العالم الثالث تعاني منها .

أضف إلى ذلك الفجوة الكبيرة بين طبقة الحكام والمتنفذين في السلطة مثل رجال الاقطاع وكبار التجار وبين الفئة المغلوب على أمرها وهي السواد الأعظم من الشعب العراقي المقهور والبالغ تعداد نفوسه آنذاك أربعة ملايين نسمه أو يزيدون قليلاً .

وهم من الحرفيين والعمال والكسبة وهؤلاء هم سكان المدن .

أمّا سكان القرى والأرياف فهم الغالبية العظمى وجُلّهم من الفلاحين الفقراء الخاضعين لسلطة الاقطاع ورؤساء العشائر الموالين لهم . وبطبيعة الحال لا تخلو هذه الأوساط المنهوكة من مجموعات مثقفة تسكن المدن العراقية وعلى الأخص العاصمة بغداد ، ومن هذه المجموعات تشكلت الأحزاب ، فمنها مَن كان في خط المعارضة للدولة دائماً ومنها مَنْ كان يُمالئ في موقفه حيناً وحين ، ومن هذه الأحزاب برز على الساحة الحزب الشيوعي عام 1932 ، لمعارضته الدائمة مستغلاً نقاط الضعف الموروثة والمذكورة سابقاً مع تبعية الحكومة الملكية للسياسة البريطانية ، كانت هذه بذاراً صالحاً في أرض خصبة للشيوعيين  لايغار النفوس وإثارة الجماهير الشعبية وتألبيها على الحكومة مع رسم آفاق الحلم الشيوعي لها من خلال شعارهم الذي يتفنون به " سنمضي .. الى ما نُريدْ وطنٌ حُرٌ وشعبٌ سعيدْ " . كما بلغ الأمر بالحكومة الملكية أو كادَ أن يكون كلُّ معارض لها شيوعياً .

وهذا عيبٌ من عيوب السياسة وخطأٌ لا يُغتفر للسياسيين .

أما موقف رجال الدين الأفاضل من الأحزاب الوطنية عامةً فكان غير واضح المعالم ، كما لم يكن بينها وبينهم شيءٌ من خطوط التقاطع أو التماس بما فيها الحزب الشيوعي العراقي . رغم أن ، المفهوم السائد لدى الأوساط الدينية من أن الشيوعية بمفهومها الماركسي الحادية لأنها لا تؤمن بالديانات السماوية وهذا هو واقع الحال للفلسفة الماركسية .

إلاّ أن مفهوم الشيوعية في العراق وهذه حقيقة لابُدّ أن يعلمها الجميع لم تكن إلا مفهوماً إقتصادياً يدعو الى رفع المستوى المعاشي للطبقات الفقيرة والى تحرير الفلاح من ربقة الاقطاع وسيطرته ، كما تدعو الى التحرر الاقتصادي والسياسي للدولة ونبذ مبدأ التبعية للاستعمار البريطاني ، هذه هي المفاهيم التي كان يتعامل بها الشيوعيون مع الأوساط الشعبية والناس ، لذلك نرى كثيراً من الأفراد ومن بيوتات عريقة لها وزنها الاجتماعي وألتزامها الديني قد ساروا في هذا الركب ، حتى أني لأذكر شاعراً في مدينتنا وهو من السادة الطباطبائيين قال بيتاً من الشعر في قصيدة نونية طويلة ما قاله شاعر قبله ولا بعده قط .

وبيت الشعر هو :

إن كان لينينُ مدفوناً بأرضكُمُ
 

فان لينينَ في أحشائنا دُفنا

 

 

وكان هذا في أحتفال مقام في بداية عام 1959 أي في عهد النظام الجمهوري . أقول من هذه المفاهيم تعامل الشيوعيون في توسيع قاعدتهم الشعبية ، أمّا مفهوم الالحاد فلم يكن إلا حالة فردية ولم تكن في النظرية الماركسية وحسب بل في جميع الأحزاب العلمانية بما فيها حزب البعث والاتحاد الاشتراكي الناصري .

وقد أعطت ثورة 23 تموز في مصر أعطت هذه الثورة زخماً الى الأحزاب العربية بما فيها الاحزاب العراقية ، وظهر ذلك جلياً إثر العدوان الانكلو ـ فرنسي ـ صهيوني على مصر الكنانه عام 1956 . حيث كان الشيوعيون في طليعة التظاهرات الشاجبة للعدوان بحيث عمّت العراق شمالاً وجنوباً مما حدا بالحكومة الملكية إلى إعلان الأحكام العرفية في البلاد ، وكان موقف رجال الدين الافاضل وخاصةً الشيعة منهم موقفاً رافضاً . وتمخضت هذه الأحداث بانتفاضة شعبية في مدينة الحي الباسلة انتهت بإعدام إثنين من قيادي الحركة وهما ..

" علي الشيخ حموّد وعطا الدبّاس " ، كما سُجن جرّاءها مَنْ سُجن من أبناء مدينة الحي ، وفي صيف عام 1957 حصلت حركة إضراب للسجناء السياسيين في سجن الكوت وذلك لسوء معاملة إدارة السجن مما دفع بالسلطة الى ترتيب موضوع مبني على الخديعة لا ستحصال فتوى من عالم الدين للمذهب الشيعي في المدينة بتكفير السجناء لأنهم شيوعيون كي يتسنى هدر دمائهم ، وبالفعل صدرت الفتوى بكفرهم من عالم الدين في المدينة المرحوم الشيخ هادي الأسدي وراح ضحية هذه الفتوى سبعةً من السجناء السياسيين دفنوا يومها في مقبرة اليهود الموجودة في ضاحية من ضواحي الكوت ثم نُقِلَ رفاتهم بعد قيام ثورة 14 تموز الى النجف الأشرف .

وبعد سقوط الملكية وقيام الجمهورية في 14 تموز من عام 1958 لم يكن في الساحة السياسية العراقية أبرز من الحزب الشيوعي ، إلا أن تسارع الأحداث وتشابكها ، مع سوء تصرف القيادة الشيوعية ، وتخبط الزعيم الراحل في سياسته الداخلية ، أضاعت الحقائق وبرزت تيارات كانت مغمورة على وجه الساحة ، وأنقسم الشعب العراقي الى فئات وقوميات وطوائف حتى باتت العائلة الواحدة منقسمة على نفسها لتيارين أو أكثر .

أمّا موقف رجال الدين الشيعة الأفاضل من الثورة والصراعات فكان في بادئ الأمر موقفاً متحفظاً ، ثم ما لبث أن أخذ طابع المعاداة للنظام القاسمي ولمن يقف وراءه وذلك بتحالفها مع الفئات العلمانية القومية والبعثية وبمباركة الرجعية لها ودعمها للتحالف تَمّ تقويض ثورة تموز المجيدة وتمّ سحق الشيوعيين .

وهنا لابد من وقفة لتوضيح دور رجال الدين الأفاضل فقد تحالف المرحوم الشيخ الخالصي في منطقة الكاظمية مع البعثيين والقوميين تحالفاً مصيرياً ، وتحالف مع الحكومة العارفية التي قامت بعد إسقاط الحكم البعثي الأول رغم علمه بطائفية النظام العارفي ونهجه العلماني وهو تطبيق الاشتراكية العربية ، كما نجد أن المرحوم آية الله السيد محسن الحكيم المرجع الديني الأعلى يومذاك والذي أصدر فتوى بتكفير الشيوعيين زمن قاسم يقف موقف المتفرج من حمّامات الدم بعد سقوط قاسم ويتغاضى عن علمانية حزب البعث وماسونيته وعن الاتحاد الاشتراكي العربي .

هذه علامات ودلالآت لا أستطيع القول فيها برأيي لأني لا علم لي بما وراء الأكمه ، ولكني أقول متسائلاً الى متى يبقى علماؤنا الشيعة الأفاضل ورقةً بيد الآخرين ؟؟‍‍‍‍‍‍‍‍

 

عطا يوسف منصور