Make your own free website on Tripod.com

الثورة والإنقلاب العسكري في العراق الحديث

" الظاهرة والأبعاد "

·     هاني الفكيكي Ä

عندما باشرت في تدوين شهادتي ، اكتشفت ، كم هي عصيّة الكلمة المسؤولة ، وكم هي مطواعة الوقائع المعاشة .

وتساءلتُ ، وبعد كل الذي جرى ويجري في العراق ، والوطن العربي ، وبعد أن أطلَّ عصرٌ جديد ، وحدثت تحولات وتطورات خطيرة ، خاصة في العالم الاشتراكي ، وعادت الديمقراطية السياسية ، وحقوق الإنسان وحرياته ، لتحتل موقعها في هذا العصر الجديد .

ترى هل نستطيع أن لا نكون ، ولا تكون أوطاننا ، طرفاً وشريكاً فيما يجري حولنا ؟

وهل بعد غياب عصر الاستقطاب والصراع الأيدلوجي ، وسيادة الواقعية والعقلانية في العلاقات بين الأمم والبشر ، ستبقى مقومات فكرنا السياسي وثقافتنا ، هي هي ؟ أم ستؤثر علينا ، وفينا الرياح القادمة من الشرق ، كما أثرت رياح الغرب في أوائل هذا القرن ؟ وهل سيستطيع مثقفوا هذا الشعب ، أن يكتسبوا وعياً نقدياً ، وينتقلوا من سجون الأيدلوجية والعادات الموروثة ، إلى رحاب المعرفة .

يقول ابن خلدون في مقدمته

((لأن الأخبار إذا اعتُمِدَ فيها على مُجرّد النقل ، ولم تُحكم أصول العادة، وقواعد السياسة ، وطبيعة العمران ، والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولاقيس الغائبُ منها بالشاهد ، والحاضر بالذاهب ، فرُبّما لم يؤمن فيها من العثور ، ومَزِلَّة القدم والحيد عن جادة الصواب)) .

على هذا النهج ، والبعد الاجتماعي والتاريخي ، سأحاول التحدث اليوم.

مسألة أخرى ، وأود تسجيلها ، قبل الدخول في صلب الموضوع . العراق بلدٌ غارقٌ في العنف ، وغاطسٌ في الدم . ونحن جميعاً وبدون استثناء ، ساهمنا في سقاية أشواك العنف وعلقمه ، وتلوثت أيدينا بدم العراق .

ولئن جئتُ اليوم ، لأتحدث عن بعض تجربتي ، فأنني أؤرخ لمرحلة عشتها ، وأحداثٍ أنا شاهد عليها . ولأدين وعياً مزيفاً ، تقمّص الجميع آنذاك ، لعل ذلك يكون مساهمةً متواضعة في بناء وعي جديد وفكرٍ سياسي حديث . والكثير مما سأقوله ، لم يكن حكراً على فئةٍ دون أخرى ، وأتمنى أن يقف يوماً، آخرون غيري ليشهدوا على الأهل ، وليدينوا هم أيضاً الوعي الزائف ، لا أن يأخذوا شهادتي حجةً للرضى عن النفس وتبرئتها .

***

في مساء الخميس السابع من شباط 1963 ، اجتمعت في بغداد شُلّة من الشباب ، وكنتُ في عدادهم ، لتضع اللمسات الأخيرة ، على الواجبات ، ولتراجع المهمات التي ستنفذها فجر الجمعة الثامن من شباط .

لم ننم ، كنا نتحرّق شوقاً ، لعناق فجر ثورتنا ، أو الموت .

كنا ممتلئين حباً لأمتنا وشعبنا ، وولهاً بالوحدة العربية ، وإيماناً بالاشتراكية العربية ، وبالكثير من النوايا الطيبة .

اعتقدنا بإيمان غيبي ، وسذاجة ، بأننا سنُعيد 14 تموز الناقصة والمغدورة ، بريقها القومي العربي ، وسنقيم دولة الوحدة ، وسنحرر فلسطين ، وسندمر المصالح الأمبريالية بمجرد استلامنا للسلطة ، وإمساكنا بناصية الحكم .

لم يكن حزبُنا ، عريض الجذور في المجتمع العراقي ، حيث اقتصر وجودُه على المدن الكبيرة ، بعيداً عن الريف وأطرافه ، وبرغم تنظيمات محدودة في أوساط العمال والفلاحين ، شكّل الطلاّب وأبناء الطبقات المتوسطة ودون المتوسطة الجمهور الأوسع لنا .

وكورثة لحزب الاستقلال ، امتلكنا رصيداً شعبياً في الموصل والرمادي ، وسامراء وفي أحياء بغدادية كالأعظمية والكرخ والكرادة .

مدنٌ وأحياءً ، عروبية ، سُنيهٌ محافظة ، وبرغم انتشارنا لاحقاً في النجف والبصرة والحلة ، إلا أن الطابع العام لجمهورنا بقي كذلك ، فضلاً عن غيابنا الكامل في أوساط القومية الكردية .

وبسبب عمومية الفكر القومي ، وفكرنا ، وغموضه ورمانسيته الوحدوية، تسلل إلى الحزب ووجد مكاناً فيه ، القومي التقليدي ، والعروبي ذو التلاوين الاشتراكية أو الماركسية ، والعروبي الإسلامي ، والإسلامي العروبي . وتبعاً لذلك تشكلت السيماء الاجتماعية والسياسية للحزب .

لم تكن هناك ، رؤية واقعية ، ورعياً تاريخياً ، للمجتمع العراقي وخصوصيته ، وولاءاته المتعددة . تركنا البرامج والمناهج الإصلاحية لمشاكل المجتمع والدولة الحديثة . وكغيرنا رحنا نبحث عن صيغٍ ووصفات جاهزة ، لتجارب أوروبية متنوعة .

كانت الاشتراكية العربية عندنا في " ظفر الحياة على الموت " وفي حالات أوضح ، كانت استعارات فابية أو ستالينية اقتصادية .

وبرغم أننا كنا في معظم أدبياتنا السياسية ، نصف حكم عبد الكريم قاسم ، بالدكتاتورية العسكرية والفردية ، إلا انني لا أذكر أن مسألة الديمقراطية والحريات وعودة البرلمان ، شكلت هاجساً ومطلباً في قائمة أولوياتنا ، خاصة أن تركيز الشيوعيين الكلامي على الديمقراطية والحرية ، زاد من نفورنا ، إذ حصل القتلُ والسحلُ على إيقاع اهزوجة شيوعية شهيرة هي ((عيني كريم للإمام ديمقراطية وسلام)) .

وعلى صعيد مفاهيمنا للوحدة ، فقد أضاف صراعُنا وخلافُنا مع عبد الناصر بعداً جديداً لرومانسيتها وعموميتها ، إذ رحنا نبلور ملامح نموذج بعثي للوحدة بدون عبد الناصر .

كان التعايش بين المذهبي والأيدلوجي مألوفاً ، ففي عاشوراء من كل عام، اعتاد شبابنا في الكاظمية ومدن شيعية أخرى ، على لبس السواد ، والمشاركة في مجالس العزاء الحسيني ومواكبه ، كما كان آخرون ، ومنهم مسؤولي في الأعظمية ، يرتادون التكايا ودور الدروشة للاستمتاع بطقوسها . فضلاً عن تعايش القبلي والعشائري مع الأيدلوجي ، الذي كنت تراه في مدن العراق وطبقاته الاجتماعية الحديثة ، وما صاحب ذل من تفاخرٍ وتنابزٍ في الأنساب والأصول .

كانت مسألة الوحدة ، طاغية ومتغلبة على برامجنا المحلية وهموم الشعب في العراق ، وكنا نرسم سياستنا تحت تأثير عوامل ثلاث :

1 ـ الأيدلوجيا البعثية القومية .

2 ـ التحالف مع ج.ع.م.

3 ـ الصراع السياسي مع الشيوعيين .

ولعل الانفصال وسقوط تجربة الوحدة ، والعنف المفتوح الذي اندلع في العراق بعد 14 تموز 1958 ، كانا سبباً في التفات جمهور واسع ، حول حزبنا مثّل مصالحة سياسية واجتماعية عريضة ، جمهور متباين ، تباين مصادر مصالحه ، وعاداته ووعيه وثقافته .

فسقوط الوحدة ومنع قيامها ، أثار فينا ، استعداداً ، لتوظيف جميع الوسائل ، بما فيها الجيش ، والعنف ، والتعبئة المفتوحة ، فيما اعتبرناه دفاعاً عن النفس والأمة .

كما أن العنف الذي واجهناه بعد 14 تموز 1958 ، لم يطلق ويُثر كل ما هو معادٍ للديمقراطية محافظٍ وتقليدي ، في صفوفنا وفي المجتمع العراقي ، بل كان أيضاً في بعض صوره تحدياً لهوية المجتمع العربية والإسلامية .

فباتت تصفية الشيوعيين وكريم قاسم ، واجباً قومياً بعد أن كانت من قبل واجباً إسلامياً .

ولم نعدُ نرى غير استلام السلطة السياسية ، هدفاً . وتراجعت إلى الخلف، قيم المجتمع وتقاليده ، وانقساماته والقبلية والقومية ، وبقيت ثقافته العثمانية المهزومة بمنأى عن أي نقدٍ أو تحديث .

أما تنظيمنا العسكري ، ورصيدنا في الجيش ، فكانا مزيجاً من الضباط المغامرين والمحترفين ، ومن أعداء عبد الكريم قاسم والشيوعيين ، وأخيراً من المؤمنين بالوحدة والاشتراكية العربية ، وهؤلاء الضباط الصغار وضباط الصف والجنود .

وينحدر معظمُ هؤلاء من أصول ريفية ، ومن البرجوازية الصغيرة القروية والمدينية السُنية المحافظة أيضاً .

وبرغم معرفتنا بأن الجيش جزءٌ من المجتمع ، ولا يمكن أن يكون محايداً وفوق الميول والاتجاهات ، كما كان يحلو لعبد الكريم قاسم أن يصفه ، فأننا لم نحرص على تثقيفه وتوسيع قواعدنا فيه ، بل اتجهنا بالدرجة الأساسية إلى الضباط والقيادات العسكرية ، وكان نهجُنا هو الاستيلاء على قيادة المؤسسة العسكرية ، والسيطرة الإدارية على الجيش ، وتوظيفه كمؤسسة .

أكثر من ذلك جرى التركيز على ضباط وقيادات الوحدات العسكرية الضاربة والقريبة من بغداد ، مكتفين بعدائهم لقاسم والشيوعيين وولائهم الظاهري للحزب .

وعومل الجيش ، منا ومن غيرنا ، ولدوافع مختلفة في الظاهر والادعاء ، ومتفقة في النتيجة ، بانتهازية بالغة ، واعتبر بالمطلق ، مؤسسة وطنية حامية لمصالح الشعب وضامنة لتقدمه ، طويت حقيقة كونه مؤسسة اجتماعية وسياسية مسلحة ومدربة بانضباط عالي ، تستخدمها السلطة للدفاع عن مصالحها وشرعيتها .

وهكذا وجدوا طاهر يحيى ، ورشيد مصلح ، وأحمد حسن البكر ، وعبد السلام عارف ، وحردان التكريتي ، وأمثالهم مكاناً لهم في الحزب أو التحالف معه ، واذكر أن صالح مهدي عماش ، وهو من أعضاء الحزب القدامى ، عندما قرر الحزب ترقيته من مقدم إلى فريق وتعيينه وزيراً للدفاع ، امتثل للأمر ونفذه فوراً ، ولكننا عندما قررنا الإبقاء على قانون الأحوال المدنية وعدم إلغائه لطابعه التقدمي وإنصافه للمرأة ، رفض عماش تنفيذ قرارنا ، وقال بأنه لا يستلم أوامره من طلبة الثانوية !!

وعندما قرر المؤتمر القومي السادس للحزب الوحدة بين سوريا والعراق ، اعتقلنا ضباطنا بعد عشرة أيام من قرار المؤتمر .

وعندما تحفظنا على طريقة التعامل مع الأكراد ، أصر العسكريون على الحرب ، مدعين القدرة على حسمها خلال شهر أو شهرين .

وبسبب هذا النهج ، تعاظم شعور ضباط الجيش بمسؤوليتهم ورسالتهم التاريخية في إنقاذ البلاد وتقدمها وتحديثها بزمن قياسي .

وهذه المشاعر عند ضباط الجيش وقادة المؤسسة العسكرية ، هي مشاعر وقناعات موروثة ، ومتصلة بالتاريخ ، وأحدثتها تراكمات اجتماعية وسياسية ودينية ...

يقول أبو جعفر المنصور في خطبة في بغداد

((أيها الناس : إنما أنا سلطان الله في أرضه . اسوسكم بتوفيقه وتسديده ، وأنا خازنُه على فيئه ، أعمل بمشيئته اقسمه بارادته ، وأعطيه بإذنه ، قد جعلني الله عليه قُفلاً ، إذا شاء أن يفتحني لاعطياتكم وقسم فيئكم وارزاقِكم فتحني ، وإذا شاء أن يقفلني اقفلني)) . إلى آخر خطبته . وفي أخرى يقول وهو شاهر سيفه أيها الناس : ((إن بكم داءً هذا دواؤه وأنا زعيم لكم بشفائه ، فليعتبر عبدٌ قبل أن يُعتبر به ... ألخ)) .

ويقول أحمد عرابي

((متى عرف برلماننا كيف يتكلم ، تنتهي مهمتنا نحن الجنود)) .

ويقول عزيز علي المصري

((إن بيننا وبين الله عهدٌ على خدمة الوطن)) .

ويقول عبد الناصر

((إذا لم يقم جيش بهذا العمل فمن يقوم به)) .

وفي العراق يقول اسماعيل العارف في عام 1986 : ((ظهر الجيش كعامل مهم في السياسة العراقية لأول مرة ، عندما قضى على عصيان الآشوريين سنة 1933 ، بقيادة الفريق بكر صدقي قائد المنظمة الشمالية ، فنال احترام الشعب وتقديره واعتبره الحارس الأمين لاستقلاله ورمز سيادته الوطنية . وشعر الضباط بأهميتهم السياسية وقدرتهم على التأثير في مجرى الأحداث عندما اكتشفوا بعد ذلك أنهم استغلوا ببشاعة حينما استخدمتهم السلطات الحكومية كجهاز بوليسي تسخره أهواء السياسيين المتناحرين على السلطة في أواسط الثلاثينات لضرب الثورات العشائرية التي كانوا يشعلونها لإزاحة خصومهم . فتيقظت ضمائرهم على تفاهة الدور الذي فرض عليهم وأحسوا بضرورة التخلص من ذلك الوضع المزري وإقامة حكومة مقتدرة ، عزيزة الجانب كما كان عليه وضع الجارتين تركيا وإيران اللتين اعتمدتا على الجيش في تغيير نظام الحكم المتخلف)) .

وهناك أمثلة عديدة لا يمكن إيرادها للإشارة إلى هذه النزعة الموروثة عند الضباط والمؤسسة العسكرية .

فقد فُتح العراق غزواً ، ومع الزمن استعيض عن القبائل المحاربة ، بالجيوش النظامية المحترفة ، وفي مراحل لاحقة بجيوش من المرتزقة وغير العربية أحياناً .

وبسبب نظام الحكم الإسلامي الخلافي ، تركزت السلطة الدينية والعسكرية في يد شخصٍ واحد ، هو الخليفة أو الوالي . وكان مركزا قوة الدولة والحكم ، هما الجيش والسلطة الدينية أو من يمثلها .

وبسبب ما للجهاد من قدسية في الإسلام ، ولكثرة تعرض ثغور الإسلامية للغزو ، أحاطت تلك القدسية بالمقاتلة والجيوش وامرائها وفرسانها ، ووضعتهم في مراتب عليا ومتميزة في المجتمع الإسلامي . ومع انتقال الدعوة الإسلامية إلى دولة مستقرة المُلك ومتراكمة الثروة ، نمت واتسعت طبقات المجتمع الإسلامي ، وتناقضاتها وازدادت تبعاً لذلك أهمية الجيش في تقرير هوية الخلافة ونهج الدولة . وبالمقابل تنوّعت وتوسّعت المبررات الشرعية للثورات والانتفاضات المسلحة ، ومنها شرعية الإمامة والخلافة ، وتوزيع الثروة ، والاضطهاد الطبقي أو القومي ، والقبلي أحياناً .

وقبيل سقوط الدولة العثمانية ، كان الحلف العسكري ـ السلطاني ، سبباً في تعاظم نفوذ الضباط والجيش ، وخاصة بعد انكسار العثمانيين على مشارف فينا ، ودخول نابليون إلى مصر ، ومن ثم الحرب العالمية الأولى .

وامتدت تأثيرات ذلك إلى العراق الحديث ، ولاحقاً تأثيرات كمال أتاتورك ، وبقايا التربية العسكرية الألمانية للجيش العثماني ، وبريق بسمارك ، وليس قليل دلالة أن يُكنى لاحقاً ياسين الهاشمي " ببسمارك العرب " .

ونجح حلف فيصل ـ نوري السعيد ، والضباط العثمانيون العراقيون ، وبمساعدة بريطانية ، في تأسيس دولة ، ما تزال مشروعاً ، وإقامة حكمٍ يمثل تحالفاً دينياً ـ عسكرياً ، تستر وراء أخمرة برلمانية ودستورية رقيقة ، غالباً ما كانت تُمزق وتُداس لصالح الإنفراد بالسلطة . وأغلقت لاحقاً أبواب الكلية العسكرية ، بعد تأسيس الجيش أمام عرب العراق الشيعة ، لضمان ((تجانس قيادة)) الجيش وولائه للأقلية المذهبية والعنصرية . ومن المفيد هنا الإشارة لمسألتين : ـ

الأولى : أن الضباط الرعيل الفيصلي ـ السعيدي هؤلاء ، كانوا يمثلون توجهاً استقلالياً ، ذا نزعة قومية عربية ، متصالحة مع الإسلام العثماني ومع المشروع اللبرالي البريطاني .

والثانية : إن المشروع الإسلامي المتراجع ، خسر معركة السلطة ، ولكنه احتفظ بمواقفه الفكرية والثقافية .

وقامت تجربة ناقصة ، مشوهة ، اتسمت بتزوير إرادة الناس ، وتزييف وعيهم ، وفرضت برلمانات شكلية ، وسياسات أفقدت العراقيين ثقتهم بالديمقراطية ، وكالعادة راحت بذور الثورة تستسقي من ماء الاستبداد المر ، وأينع وتبرعم كل ما هو معادٍ للحرية ولحقوق الإنسان ، وكان الجيش مطواعاً بيد السلطة ، تحركه شمالاً ، وتدفعه جنوباً ، لأحكام سيطرتها واستبدادها ، وتعزيز عُزلة العراق العربية وتبعيته للغرب وأحلافه .

وأمام الإنسداد التام ، والسور المنيع ، الذي قام في وجه فئات واسعة من المجتمع العراقي ، وخاصة أمام الطبقة الوسطى ودون الوسطى ، وفئات المتعلمين والمثقفين الآخذة في الاتساع ، والتواقة للتغيير والتحديث ، بدا الحل العسكري ، والجيش كأداة خلاص وإنقاذ ، وبدأ في احتلال مواقع مركزية في العقل السياسي العراقي .

وإذا كان انقلاب عام 1936 ، قد قدم بكر صدقي ، ولم يتصد لتجربة برلمانية او ديمقراطية صادقة ، وإذا كانت الانقلابات السورية قد قدمت ، حسني الزعيم ، والحناوي ، والشيشكلي ، فإن حركة الجيش المصري عام 1952 ، قدمت عبد الناصر وتجربته ووحدة مصر وسوريا ، وأسقطت حزبية وبرلمانية عريقة ، كما وأن 14 تموز 1958 في العراق قدمت عبد الكريم قاسم ، وعبد السلام عارف ، وأسقطت حلف بغداد ، وشرعت قانوناً للإصلاح الزراعي ، واستعادت بعض حقوق العراق النفطية ، واعترفت بألمانيا الديمقراطية !!

وسرعان ما تخلى العقل السياسي العراقي ، وتحت مظلّة من الضجيج الأيدلوجي الصاخب ، عن مواقعه الفكرية والسياسية ، وتحالف مع الجيش والحكم العسكري ، وسادت الدكتاتورية ، وعبادة الفرد ، وتحوّل الإمام المعصوم والمستبد العادل ، إلى الزعيم المنقذ ، والقائد الملهم ، أو الرفيق القائد .

وتحوّل أولي الحل والعقد إلى الطليعة الثورية وإلى الحزب القائد أو الطليعي.

كامل الجادرجي وقلة من رفاقه ، وبسبب مرارة تجربتهم مع العسكر ، بقوا مع مبادئهم المعلنة .

وهكذا تجددت شرعية الجيش ، والحكم العسكري ، بغطاءٍ شعبي ، وبتظير فلسفي وأيدلوجي ، أرهب الناس ، وزيف وعيهم ، وقدم للدكتاتورية العسكرية مبررات وذرائع لم تكن تحلم بها .

ومما يؤسف له ، أن التيارين الحديثين ، الوطني العراقي والقومي العربي ، اللذان ارتشفا من الفكر الأوربي ، اللبرالي منه والماركسي ، وأدمنا على نقل تجارب أوربا وثقافاتها إلى الواقع العراقي ، لم يكونا يمتلكان وعياً تاريخياً واقعياً، فخاطبا المجتمع والمواطن ، بلغةٍ فيها رطانة ، لم يستسغها حس الأمة ومزاجها ، ولم تنفذ إلى مغاليق النفس العربية والإسلامية ، مما زاد في تغرّبها ، وحال دون تحديث المجتمع ، ودون تجديد ثقافته ووعيه .

أما المشروع الإسلامي ، فهو لئن ، خسر الحكم ، فإنه كفكر وتراث ، وهوية للمجتمع العراقي وثقافته وتاريخه ، وفي معظم الأحيان دينه ، بقي محتفظاً بمواقعه ، وكان حاضراً دوماً ، اختزل التأخر ، والتاريخ في المجتمع ، واعتبر العودة للإسلام هي الحل السحري لجميع المشاكل ، ولجأ مؤخراً إلى الصيغ الجاهزة والوصفات المعدة ، للتعامل مع الواقع العربي .

ولكوننا حزباً صغيراً ، أوصدت أمامه جميع أبواب العمل السياسي العلني، والدستوري ، لجأنا إلى العمل والتنظيم السري ، وإلى التآمر والاستعانة بكل الوسائل والأدوات لنقول ما عندنا .

وسيطرت علينا ، ليس فقط ، بسبب العمل السري والخوف الدائم من ملاحقة السلطة وعقابها، بل أيضاً لخلل في الأيدلوجية ، ولاغترابنا عن المجتمع، "نظرية المؤامرة"، تلك النظرية التي تعتبر الأمة والشعب ضحية مؤامرة خارجية، طارئة ، مؤقتة ، وإن إسقاط هذا النظام أو ذاك ، سيعيد لهما عافيتهما وسيتحرر المجتمع وتتفتح ألف زهرة .

ولا بأس أن أطيل عليكم ، وأتحدث قليلاً عن تأثير العمل السري ، على المزاج النفسي ، والتكون الفكري لمنتسبي الأحزاب السرية وكنت منهم .

ففي داخل الأحزاب السرية ، تذوي شخصية الفرد وتجف ، وبالتالي يفقد حريته ، ونادراً ما تمارس الديمقراطية داخل الأحزاب ، بسبب الاضطهاد والخوف الدائم من العدو والمؤامرة .

ونادراً ما احتضن حزبٌ سريٌ آراء وتوجهات مختلفة ، فكل خلاف ، هو انشقاق ، وكل انشقاق مؤامرة .

ونادراً ، ما كان لحزب في العراق ، ما عدا الوطني الديمقراطي ، موقفاً مستقلاً وقراراً سياسياً مستقلاً ، نابعاً من خصوصية الحالة العراقية ، وطموحات سكانه .

ونادراً ما تغير قادة الأحزاب السرية والمعارضة ، بسبب الانتخابات داخل صفوفها . فهم لا يتغيرون إلا بالوفاة أو بالطرد تحت ظروف استثنائية .

والتنظيم السري ، يتعسكر ، وتسوده قيمٌ وتقاليد دكتاتورية عسكرية ، تحت ذرائع حماية أمن الحزب ووحدته .

وفي عهود الإرهاب ، والأوكار ، والسجون ، يكون التوتر النفسي ، والثأرية ، والإحباط ، والخوف من الآخرين والتشكيك بهم ، سمات غالبة على شخصية المناضل .

ومع الزمن ، يتحول الحزب ، إلى هدفٍ بذاته ، فهو الأمان والملجأ والحامي ، والحرفة ، وحامل لواء أيدلوجية المستقبل .

المسؤولية عن أخطاء الأحزاب العلنية ، مسؤولية جماعية وفردية . قادة الأحزاب العلنية، يواجهون الناس وقواعدهم ، ويدافعون عن وجهات نظرهم، وتواجههم قواعدهم أمام الناس .

أما في الأحزاب السرية ، فالمسؤولية ، جماعية تضامنية ، سرية أيضاً ، وغالباً ما تُلقى مسؤولية هذا الحدث أو ذاك ، على الغوغاء والمندسين وعملاء الاستعمار ، وفي أفضل الحالات على المنحرفين .

وفي الأحزاب السرية ، يسود ضيق النفس وقصره ، والشعور بالمسؤولية التاريخية عن مصير الآخرين ، والتسلح بالعنف للدفاع عن النفس ، واستعماله لضمان عدم العودة ثانيةً إلى السجون والأوكار المظلمة .

ما أكثر وشائج القرابة والنسب بين النزعات العسكرية الدكتاتورية ، وبين الآثار السلبية لسرية العمل الحزبي والسياسي في العراق .

ونجحنا ، ودخلنا إلى وزارة الدفاع ، ومجلس السيادة ، ثم إلى القصر الجمهوري ، وإلى الوزارات كافة ، ومؤسسات الدولة ، وتنسّمنا هواء المباني الحكومية المكيّف . ولكننا لم نجد السلطة .

كان كبار الضباط ، رئيس الجمهورية ، ورئيس أركان الجيش ، ومدير الحركات وقادة الفرق ، والوحدات الأساسية الضاربة ، خارج سلطة الحزب، وعلى النقيض من مبادئ قواعده ونواياه .

كانت السلطة هناك ، في المعسكرات ، والوحدات العسكرية ، التي تدين بالولاء للقيادات العسكرية العليا . أليس الجيش مؤسسة ، لها تقاليدها وقوانينها ؟

كانت السلطة هناك ، في دوائر الاستخبارات والأمن والشرطة ، أليست هذه أدوات السلطة ؟

واختلفنا حول الوحدة ، وحول النفط ، وحول دور الحزب ، وحول الأكراد ، وحول الكويت ، وحول الجيش ، وحول قانون العمل والإصلاح الزراعي وأخيراً حول من يملك السلطة .

واندلع العنف الثأري المفتوح ، كسابقه بعد 14 تموز ، ليس عنف السلطة ومؤسساتها فقط ، بل كان عنفاً منظماً مارسته مؤسسات مدنية ، مُتحالفة مع أجهزة السلطة ، من دون أن تغير طبيعتها وولاءها .

ولم ترتفع إلا أصواتٌ قلائل ، تماماً كما بعد 14 تموز ، لتدين ذلك العنف ، وغالباً ما طلعت الصحافة مشيدةً بسحق المتآمرين والجواسيس والشعوبيين وبأقلام مثقفين قوميين .

وسقطت النوايا الكثيرة الطيبة ، وتراجعت الأحلام ، وبدأت شللٌ أخرى من الشباب تُعد انقلاباً آخر بالتحالف مع المؤسسة العسكرية وطاقم جديد من الضباط .

استنتاجات

أولاً : أن الحديث عن الثورة في العراق عن الجيش ، هو حديثٌ مُجانب للواقع ولا تاريخي . بسبب كونه القوة المسلحة والمدربة الوحيدة المتوفرة ، وبسبب استحالة حياديته .

ثانياً : أن للجيش والمؤسسة العسكرية ، تراث قديم في الحكم واستمرار السلطة ، وهويتهما ، وقد تطور هذا التقليد في خطٍ موازٍ لنمو العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية في المجتمع العراقي .

ثالثاً : عوملت المؤسسة العسكرية ، والجيش ، بنفاق وانتهازية ، منذ تأسيس العراق الحديث ، وإلى اليوم ، سواء الرعيل التأسيسي الأول أو حركات المعارضة وأحزابها ، ما عدا استثناءات قليلة . ولم تنحج أية حركة في تغيير طبيعة الجيش ، أو تحيّده أو شلّه .

رابعاً : في بلدٍ ، ومجتمع كالعراق ، متعدد الولاءات ، القومية والمذهبية ، وتحكمه أقلية ، يكون العنف والاستبداد والحكم العسكري السبيل الوحيد لتثبيت السلطة وفرضها . ويكون العنف المضاد والعسكري طريق المعارضة .

خامساً : أن العقل السياسي العراقي الحديث ، خرج من إيمانية ومعتقدية دينية ، وسقط في إيمانية ومعتقدية زمنية ، واستعاض بشكل فج وكاريكتوري، بالقدرية القومية ، والحتمية التاريخية ، بدل الجبرية الإلهية .

سادساً : إن دائرة العنف المتصل ، أبقت المجتمع وثقافته وفكره بمنأى عن أي نقد أو تحديث وعصرنة ، وجعلت هدف إسقاط الدكتاتور الحاكم ، أو  السلطة السياسية ، هو الحل أو بدايته لجميع مشاكل المجتمع .

سابعاً : إن العادة ، والتقليد والموروث الطائفي ، والقبلي ، والعنصري ، بقيت أقوى من الأيدلوجيات ، بسبب الممارسات والسياسات الخاطئة وفشلها في خلق هوية وطنية عراقية ، وهذا ما يُفسر الارتداد في المجتمع العراقي ، إلى الولاءات القبيلة والعائلية والمذهبية والقومية .

ثامناً : وانتعشت لاحقاً مدرسة نوري السعيد ، وفلسفتها في التعاون مع الأجنبي والتحالف مع الجيش ومؤسسات المجتمع التقليدية وإعداد طبخات الانقلابات العسكرية ، وهذا ما حصل في الانقلابات التي كان آخرها انقلاب 17 تموز 1968 .

وأخيراً

فإن المجتمع العراقي ، يُعاني من هزيمة استراتيجية ، طالت ثقافته ، وعقله السياسي ، وأحزابه وحركاته ، ومؤسسته العسكرية .

وإن الانتصارات التكتيكية ، كاستلام السلطة السياسية بواسطة المؤسسات الحالية ، لا تؤدي إلى سوى الدكتاتورية واستمرار مطحنة العنف .

وليس هناك أي مدخل ، برأيي ، إلى النهضة ، وإلى امتلاك وعي نقدي ومعرفة عقلانية ، سوى الديمقراطية الكاملة والمفتوحة .

وليس بغير هذه  الديمقراطية ، يمكن أن نوحّد مجتمعنا ، ونبني دولة عصرية ، ونسجل نصراً استراتيجياً .

 


 

Ä محاضرة ألقاها صاحبها الفقيد الأستاذ الفكيكي في رواق الكوفة بلندن 5/12/1990 ولم تنشر من قبل .