Make your own free website on Tripod.com

 

 

نظرات  في كتاب الشاعر الملحمي عبد المنعم الفرطوسي

بين اسطورة المكان وتداعيات الحلم  في المُقدسِّ والسيرة والتمرد

للاستاذ الدكتور/صلاح مهدي الفرطوسي

الدكتور اكرم  محمد كسار

 

مؤلف الكتاب نمط من الرجال صعب غير ميسور، في زمن التوسط والتشابه،وليست صعوبته من الضرب المدبب الشائك،بل هي صعوبة  الجد ومرارته،وأخذه نفسه، ولزومها مالا يلزم،دون تكلف وقطوب.وهذا النمط الفكري والنفسي حقيق أن يبين صدقه في إبداعات ما كتبه من مؤلفات ومنها هذا المؤلف الذي جاء  بعنوان  ( الشاعر الملحمي عبد المنعم الفرطوسي،بين اسطورة المكان وتداعيات الحلم،في المقدس والسيرة والتمرد)، فهو لايلت من شيات هذا الزي، الذي هو إهابه المغزول من دمه وعصبه، وإن يكن عنواناً له، وعنواناً عليه، وحين نطالع ثمرات قريحته ليس لنا إلا أن نمهرها باسم صاحبها دون تداخل، وهي عصية التقليد، لأن تقليدها يكون شأنًا مرذولا،ولأن "عملاقية"صاحبها شخصاً وفكراً تتأبى أن يحتجنها مقلد،ضرير الفكر والقلم،وتلك سمة أصالة،صحيح أن الدكتور صلاح الفرطوسي يغري بالاحتذاء شخصاً وفكراً، بيد أن قامته صعبةٌ، تتقاصر دونها القامات، في محاولتها مضاهاته والاقتراب منه،ولذا يكون من الصحيح كذلك أن يكون الدكتور صلاح الفرطوسي هو الدكتور صلاح الفرطوسي، وإن حاولنا أن نرى فيه أمشاجاً من القدماء أو المحدثين، لكن هذه الأمشاج اتسمت في تجاليد فرطوسية،من آفة النظر التوقف عندها، لأن الرجل ينفق من سعة وسعته في كل ماورثه عن سلفه العظيم.

والدكتور صلاح الفرطوسي يحتشد تماما لكل ما يقرأ ويكتب،واحتشاده من نوع خاص، حيث ترفده ثقافة واسعة، ونظر عميق،يتراحب في كل ما أنتج في إحاطة مذهلة،وهو أمين لفكره، وقد أخذ نفسه بالشدة فيما يكتبه وصار الاتقان ديدنه في الحياة كلها،حتى أرى كل عمل يصدر عنه متقناً،وكأنه لم يجهد في إتقانه وإذا هو مشرف فيه على الغاية،وكأنه مسلوب كل تدبير ومشيئة،ولكنه لاينفصم عنه حين ينفصم الا مطويا على حشاشه من سر نفسه وحياته، موسوماً بلوعة متفرقه، على صبوة فنيت في عشرته ومعاناته، فهو لايرضى بالاتقان بديلاً في كل فعل يفعله وفي كل عمل ينجزه.

الموضوع الذي كتب فيه المؤلف كان توثيقا حياً لواقع معاش من خلال شاعرية شاعر عملاق عرفه بلد الشعراء العمالقة ألا وهو العراق، وعن مدينة يكتوي ارتباطنا بها الا وهي النجف التي مازالت تمثل جرحا ينزف أبداً، وهو ما نال نسيجها وطمأنينتها من تدمير تخريبي متعمد، ذبحت من الوريد الى الوريد على مرأى ومسمع ساكنيها وهي من مدن الوجدان، وكما هو معلوم ليس للإنسان أن يصنع قدره، خاصة ساعة سقوطه من بطن أمه، وخروجه منها إلى سعة الدنيا،فهو قدر الانسان يسوقه إلى المكان ويربطه به وقد يظل هذا الرباط موصولاً بالمكان وموثوقاً به حتى الموت،وحتى لو فارقه بعد سني الوعي،أو فارقه واعياً بلا عودة إليه،فهي حتمية المكان التي تطبع النفس بطوابع ملازمة لا تفارق صاحبها مهما طال العمر، وتأجل الأجل، ومن هنا فمن يقرأ شعر الشاعر عبد المنعم الفرطوسي طيب الله ثراه سيربط بينه وبين المكان الذي لم ينفصل عنه حتى بعد أن فارقه بدنياً على اضطرار وليس على اختيار، غير أن وعيه لم يفارقه أبداً.

ويقف شعره بين الإحكام اللغوي بجزالته ورصانته وشاعرية اختياره للفظ ولفظة الوجدان المشبوبة المشبعة بها أبياته، فصال وجال وأتى بما لم يستطعه الكثير من الشعراء و الشعر عند الفرطوسي طبيعة وسجية لا تكلف وصنعة . فهو لا يمارس النظم بل يجري النظم على لـسانه بصورة عفوية وتلقائية حين تنطلق قريحته الوقادة لتصور المشاعر والاحاسيس والاخيلة الـتـي لا تلتقط الا بعدسة الشاعر الفنية .فالشاعر كما يراه الشيخ الفرطوسي نفسه : مصور الخواطر النفسية الذي يلتقط الصور المعنوية من حياة المجتمع بريشة ذهنه المتوقد وخياله العبقري وان الاضمامات الـمـتـنـوعة التي يعرضها في حقله الشعري ليست هي الا تلك الصورالاجتماعية التي انتزعها من صـمـيـم الـمـجـتمع عندما تغلغل في اعماقه فوقف على آماله وآلامه ونعيمه وشقائه وهواجسه وخواطره والمطالع لديوان الفرطوسي يقف عند روائع وغرر تفصح عن شاعرية فذة ، ومنزلة أدبية رفيعة تـدل عـلى نضج في التفكير، وسلامة في الرأي ، وقوة في الأداء، وانتقاء مميز للفظ، وسمو للقصد رصين . ومن يتتبع شاعرنا من خلال ما جاد به سيجده

قد صاحب عالم القرن العشرين منذ نهوضه الحضاري، وتطلعات مجتمعاته نحو التحرر ، كان عنواناً لحركة المجتمع العراقي ونزوعه نحو الحرية والتقدم، إذ اختار الانحياز الكامل لأبناء بلده بقومياتهم وأقلياتهم المختلفة، وراح يرصد بواقعية خلاّقة معاناتهم وهمومهم وطموحاتهم اليومية على أرض الواقع المنظور، فاتجه بالقصيدة الكلاسيكة من موضوعاتها الموروثة، المبنية أصلاً على المسلمات التقليدية نحو إنسان عصره، وحركة واقعه المتخلف ـ آنذاك ـ و كانت قصائده تنطلق من تفاعلات الواقع وصراعاته، فإنها لا تعتمدُ أصلاً على إعادة صياغة الحدث بل هي تخلق شحنة تفتح الرؤى والمدارك والوعي بالواقع المعاش.كان شعر الفرطوسي منحازاً إلى الناس في كدحهم اليومي وحلمهم بحياة أفضل، إنه شعر المحتوى النبيل، لا شعر الصياغة البهية، وكان منغمراً في الشأن الاجتماعي فعلى سبيل المثال لا الحصر منها حق التعليم للجنس الآخر الذي يعتبر من أخطر الموضوعات الاجتماعية التي عالجها بشجاعته المعهودة،كما كان هاجسه الاهتمام بالقضايا العامة جاعلاً منها بمثابة السجل لتجليات الواقع العراقي، وتقلباته ومظاهر البؤس فيه، ولم يقف عند هذا الحد بل حمل هموم أمته في مغربها ومشرقها من خلال قصائده التي وثق فيها أحداثها.

وللعقيدة الدينية مكانتها الخاصة في شعر الفرطوسي . فقد اهتم في منهجه الادبي بالجانب الـعـقـائدي اهـتـماما كبيرا هيمن على جل نتاجه الشعري . ويشكل هذا الاهتمام اتجاها واضحا في مـسـيـرة الـشاعر، فقد دأب على الالتزام وحرص على توظيف أدبه في خدمة الدين ونشر الثقافة الاسلامية المتمثلة بمبادئ الرسالة المحمدية، ومعارف أهل البيت (ع ).

ومـن المعروف أن التزام الشيخ الفرطوسي هو التزام ديني قبل أن يكون التزاما أدبيا. فقد عرف في الاوساط الدينية بالانسان التقي الذي تعيش التقوى في كل مواقع حياته وفي كل دوائر عـلاقاته . وفي حسن العبادة وخشوعها وابتهالها، وفي كل آفاق الالتزام الديني الذي يجعله يحتاط فـيـه ، ويـحـتـاط له حتى يتشدد على نفسه ليتأكد أنه قد أدى واجبه أمام اللّه بشكل كامل غير منقوص

ويـبـرز الالـتزام العقائدي عند الشاعر اكثر فأكثر حين ينظم قصائد المديح والرثاء في النبي (ص ) وأهـل بـيـتـه (ع ).وقد أكثر في هذا المجال حتى شمل ثلث ديوانه ، هذا بالاضافة إلى موسوعته الشعرية الكبرى ـ ملحمة اهل البيت (ع ) ـ التي تجاوزت الاربعين الف بيت .

ومـرجـع هذا التفاني في إحياء الفكر الاسلامي ونشر معارف أهل البيت (ع ) إنما يعود الى التربية الاسلامية التي نشأ عليها الشاعر وتربى في أحضانها وترعرع في ظلها الوارف .

وتـتـجـسد العقيدة الدينية في شعر الفرطوسي من خلال رؤيته الواضحة ومعرفته الدقيقة للدين الاسـلامي . فهو من هذا المنظار يعرف جيدا كيف يلقي الضوء على العقائد الاسلامية ، ويصورها في شعره من الزاوية التي يجب أن تصور وفي الاتجاه الصحيح والسليم .

ومـن مـميزات الصورة التي يرسمها في شعره العقائدي أنه عندما يتناول موضوعا في هذا الـمجال أن يمهد له في باديء الأمر بمقدمات تكون ضرورية في الغالب لبسط الموضوع وإدراك فحواه                         

وبـعـد أن يستوفي الغرض في المقدمات يعرج على ذكر البراهين والحجج التي يمكن عن طريقها الـتـوصل الى الحقيقة المنشودة ، والغاية التي من أجلها أنشد قصيده . وفي مثل هذه المواضع يكثر الشاعر من إيراد الشواهد والامثلة التي من شأنها أن تساعد على استيعاب الموضوع بأسهل صورة ممكنة .

إن ما كتبه الشاعر عبد المنعم الفرطوسي عن آل البيت كان مستقراً على قاعدة تاريخية من خلال أحداث عاشوها وبشكل علمي موثق، وهذا إن دل على شيء فانما يدل على أنه عاش أحداثها بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وتفاصيل فجاءت بمداها الواسع وعمقها ودقتها مقدماً لنا عملاً ناضجاً بأحداثه وأشخاصه وبشكل مركز وبخلاصة فكرية تكشف عن عقلية واستيعاب متميز من خلال رشادها ومنهجها المحكم، مستطيعاً بذكاء وإحكام  أن يقدم لنا قضايا في غاية الاهمية فيما يتصل بديننا الحنيف ونبينا وآل بيته،تبعث في نفوسنا الرهبة والإعجاب لأنه كان يقدر دور الكلمة فلم يتخفف من المسؤولية،ولم يتخذ الشطط مطية،والشهرة غاية،فجاءت روائعه، وستبقى تشع جلالاً وتواضعاً وإخلاصاً، وعلى عكس غيره من الشعراء الذين اكتفى أفضلهم بكتابة جزئيه عن آل البيت وحصروا أنفسهم بأحدهم،إلا أن الفرطوسي قدم ملحمة بانورامية لهم وبشموليه تغطيهم جميعاً، وهذه الشمولية ميزته عن الآخرين، فكانت أكثر المحاولات طموحاً وبشكل لم يجرؤ عليه أحد من قبل وإلى يومنا هذا بما قدمه من منظور شامل ولعل ما قدمه نابع من صدق الولاء وعمق التدين في ضميره وبروح إيمانية واستيعابه وفهمه المتنور من خلال تعلمه ودراسته في مدينة تعتبر من المدن التي اتسمت بقدسيتها وعلميتها،موضحا لمن أراد أن يفهم القوى المحركة للتاريخ الاسلامي وأن يفكر بعقلانية وبشكل منطقي وأن يبتعد عما رسخ في ذهنه من دس وتصورات مجردة عن الحقائق والوقائع لأغراض سياسيه ليس إلا.وكأني بالفرطوسي يلخص لنا رؤيته لآل البيت من حساسيته للبيئة التاريخية التي هي جزء من العيش في البعد الزمني؛ إنه شعور نحو مالحق آل البيت على طول التاريخ الإسلامي وكشف ذلك من خلال ما قدمه بكل جرأته وأمانته موثقا من خلال الملحمة منبها إلى حقائق غيبت بتعمد عسى أن تكون نوراً ساطعاً لمن فقد بصيرته قبل بصره.

إن ملحمة بهذا القدر تحوي كل هذه الصور،في معالجة متمكنة بحد ذاتها موسوعة ضخمة ودائرة معارف كبرى تضم بين دفتيها الوانا من المعارف الاسـلامـية الغنية بالمضامين العقائدية والتاريخية والفلسفية والتربوية والاجتماعية . وقد تجلت عبقرية الشيخ الفرطوسي في قدرته الفائقة على جمع وتنسيق عشرات المواضيع المختلفة وصبها في قالب شعري جميل وأسلوب أدبي رائع يمكن القارئ من استيعابها بسهولة ويسر دون كبير جهد وعناء، والذي يتابع هذه الملحمة وحسبما ذكره الباحث حبدر محلاتي في كتابه عن الشيخ عبد المنعم الفرطوسي ـ حياته وأدبه ـ والذي هو من منشورات مركز البيت العالمي للمعلومات والذي كان أصلا رسالة ماجستير، وكان هدفنا من إعادت ذكرها هنا إطلاع من لم يطلع على ذلك ولمعرفة الطريقة التي تثبت كيفية تعامل الشيخ الفرطوسي مع اللغة والتي تنم عن قابلية وعقلية وإمكانية متميزة وهي:

اولا ـ وحدة وزنها وقافيتها عـلـى الرغم من طول الملحمة التي جاوزت الاربعين ألف بيتاً ، وتعدد مواضيعها وتنوع مضامينها، فاننا نرى أن الشاعر يلتزم فيها بحرا واحدا وهو الخفيف ، وقافية واحدة وهي الهمزة المكسورة . وقـد أجـاد الـشاعر في اختياره هذا. فكما هو معروف فان بحر الخفيف ـ كما يتضح من تسميته ـ خفيف يتصف بالهدوء والرزانة ، الرزانة الباعثة على الحركة والتواصل لا على السكون والانقطاع .

وأكـثـر مـا اسـتـعمل الخفيف عند القدامى في أغراض قريبة من مواطن الاداء النفسي كالتأمل والحكمة والرثاء، كما استعمل لابراز الحوار الداخلي ما بين الشاعر وأعماقه. وأمـا الـقـافـية وهي الهمزة المكسورة فانها من أفضل القوافي التي يمكن استخدامها في القصائد الـمـطـولـة ذات النفس الملحمي المديد، لكثرة مفرداتها وتنوع اشتقاقاتها اللغوية . فلذا كان التنوع الـلـغـوي مشهودا وملحوظا في تمام أبيات الملحمة . وكما مر سابقا فان الشاعر قد استخدم قافية واحـدة فـقـط لم يحد عنها طوال اجزاء الملحمة الثمانية . ولعل ذلك يعود الى الإحكام الذي توخاه الـشاعر في نسيج قصيدته، والتناسب الحاصل عادة بين الموسيقى الداخلية والخارجية في مثل هذا النوع من القصائد الموحدة القافية .

ثانياً ـ الاسناد والتوثيق: حرص الشاعر منذ بداية ملحمته وحتى نهايتها على أن يدعم كلامه بالمصادر والمراجع المختلفة سواء مصادر أهل السنة أو المصادر الشيعية . وقلما نجد موضوعا أو بحثا في الملحمة دون إسناد أو توثيق . فلذا انمازت الملحمة بقيمة علمية بالاضافة الى قيمها الدينية والتاريخية والادبية .

وتـتـنوع المصادر بتنوع الموضوعات التي طرقها الشيخ الفرطوسي في موسوعته الشعرية . فقد شملت مصادر القرآن وتفسيره ، والحديث وروايته ، وكذلك مصادر في الفقه والأصول، والفلسفة والكلام ، والتاريخ والسيرة ،والعلوم والفنون ، والشعر والادب ، وموضوعات كثيرة اخرى .

ومن أبرز كتب أهل السنة التي اعتمد عليها الشاعر في ملحمته يمكن الاشارة إلى المصادر التالية : فـي الـتـفـسير: تفسيرالكشاف للزمخشري ، وتفسير الفخر الرازي ، وتفسير الطبري ، وتفسير البيضاوي . وفي التاريخ : تاريخ الطبري ،وتاريخ ابن كثير، وتاريخ الخلفاء للسيوطي . وفي الحديث : صحيح البخاري ، وصحيح مسلم ، وصحيح الترمذي ،ومسند ابن حنبل ، والمستدرك للحاكم ، والمعجم الـصـغير للطبراني ، وكنز العمال للمتقي الهندي . وفي الرجال : تذكرة الحفاظ للذهبي ، وأسد الغابة لابن الاثير، والطبقات الكبرى للشعراني . وفي الكلام : رسالة الاعتقاد لابي بكرالشيرازي ، وشرح تجريد الاعتقاد للسيوطي .

أما المصادر الشيعية فهي كثيرة ، ففي التفسير: مجمع البيان للطبرسي ، والبرهان في تفسير القرآن لـلسيد هاشم البحراني ، والبيان للسيد الخوئي . وفي الحديث : الكافي للشيخ الكليني، والتهذيب للشيخ الـطـوسـي ، ومـن لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق ، وبحار الانوار للعلامة المجلسي . وفي الكلام والاعـتـقـاد: الاحتجاج للطبرسي ، واحقاق الحق للسيد نور اللّه المرعشي التستري ، وحق اليقين للسيد عبداللّه شبر، وعقائد الامامية للسيد ابراهيم الزنجاني ،والمراجعات للسيد شرف الدين .

ثالثا ـ الوضوح والشفافيه: ما يلاحظ على معاني الشاعر في ملحمته أنها معان واضحة ليس فيها تكلف ولا تصنع ، ولا إغراق في الخيال ولا مبالغة في التعبير، ولعل ذلك يعود الى الهدف الذي ارتسمه الشاعر في ملحمته وهـو تـاريخ حياة وفكر أهل البيت (ع )، والأحداث التي عاصروها لتكون وثيقة تاريخية قبل أن تكون وثيقة شعرية خالصة أو اثرا ادبيا بحتا.

رابعاً ـ سهولة البيان والمعنى: اتـجـه الشاعر في لغته التعبيرية وأسلوبه البياني الى اختيار الفاظ سهلة ومفردات متداولة يسهل فـهـمها وتتبادر الى الذهن بيسر وسرعة . وقد سار الشاعر في هذا الاتجاه في جميع الموضوعات الـتي تطرق إليها سواء الموضوعات المعقدة والصعبة أو المسائل المبسطة والميسرة .

خامساً ـ دقة التصوير ودقة الفكرة: ثمة ميزة هامة تجلت في شعر الملحمة بوضوح وساعدت على اطالتها وازدياد ابياتها، وهي تصوير الـشـاعـر الـدقـيـق الـحاصل من تعميق الفكرة وتوسيع المحتوى والمضمون للاحداث والوقائع التاريخية . وقد وفق الشاعر في هذا الشأن أيما توفيق ، فقد استطاع أن يتغلب على الإطالة المملة الـحـاصـلـة مـن التلاعب اللفظي الذي يكثر غالبا في مثل هذه المواضع ، باختياره الالفاظ الرشيقة والعبارات الرقيقة التي تنم عن ذوق رفيع وحس مرهف ودقيق امتاز به الشاعر واجاد استخدامه .

ومـن هـذا الـمنطلق حرص الشاعر على نقل الاحداث والوقائع نقلا امينا دون أن يفرض إرادته الفنية وقبل أن يستجيب لاحاسيسه وعواطفه . ومن أجل ذلك كان شعره وثيقة دقـيـقـة لمن أراد أن يعرف التاريخ ‌الاسلامي ويطلع على حياة أهل البيت (ع ) وعلى أفكارهم ومعارفهم القيمة .

وختاماً لا تعالج هذه السطور الخجلى،بل حسبها أن تشير إلى هذا الرجل الباذخ من جيل العمالقة الكبار،وأن يؤدي استذكارنا له وتكريمه من خلال دراسات جادة تتبناها كليات الآداب بجامعاتنا،فهو من الشوامخ التي تكاسلت عنه الأبحاث وفاءً له لأنه أذاب قلبه حباً في العربية ولسانها ، وكذلك في كشفه عن الوجه الآخر من تاريخنا الاسلامي الذي حجب عن قصد عبر عصور ودهور ... فأي نمط من الرجال هو؟!!