Make your own free website on Tripod.com

خطوة على طريق إصلاح مسيرة التعليم العالي في العراق

 

باقة ورد من حديقة باولن تاون إلى الصديق العزيز الأستاذ الدكتور طاهر البكاء وزيرالتعليم العالي في عراق الأمل والرجاء

 

أد.صلاح الفرطوسي

الجامعة الإسلامية في روتردام

 

 كان الصديق العزيز الأستاذ الدكتور طاهر البكاء وزير التعليم العالي العراقي آخر صديق أودعه قبل مغادرتي العراق، ومازالت تلك السويعة العامرة بدفء الأخوة وشجون ما دار فيها عالقة في ذاكرتي كأنها الساعة، وعلى الرغم من بعد المزار استمرت حبال المودة بيننا متينة كما استمرت مع آل البكاء منذ نيف وأربعين سنة، ولقد راودني شعور غامر بالسرور حينما وقع الاختيار عليه رئيسًا لجامعة المستنصرية فقد عرفته منذ ربع قرن أو يزيد، وسبرت دواخله وحرصه على النهوض بالتعليم في العراق في أصعب الظروف ولكن دون جدوى، وبسبب ما يتمتع به من خصال حميدة استطاع أن يكون شخصية لامعة في الوسط الجامعي جديرة بكل تقدير واحترام.

      ويوم هاتفته مهنئًا بالتحول الذي شهده العراق قبل يومين شددت على يده مشفقًا من قسوة الظروف، وتمنيت أن تحقق الوزارة في فترة استيزاره ما لم تستطع تحقيقه خلال العقود الخمسة الماضية، ووعدته أن أضع بين يديه حلمًا ورديًّا رافقني خلال السنوات العجاف التي طوفت بي مُغَرَّبًا في أرجاء الدنيا لعلي أعود في قريب عاجل إلى جامعتي فأراها في حلة أخرى.

     وعلى الرغم من كل الظروف الصعبة التي مرت بالتعليم العالي العراقي منذ تأسيسه وحتى الآن فإنه قدَّم للعراق علماء في شتى مسارب المعرفة احتل قسم منهم أرفع المراتب العلمية داخل العراق وخارجه، وشارك في خلق اكتفاء ذاتي في التعليم الثانوي والتعليم العلي سواء أكان ذلك في التخصصات العلمية الدقيقة أو التخصصات الإنسانية.

     وإذا كنّا نأسف على شيء فإننا نأسف على عدم منحه ما يستحقه من العناية فتدخلت السياسة في إداراته وقراراته، كما تدخلت المحسوبية والحزبية وطائفية الحكم في تردي مسيرته، وهاجرت عقول يصعب تعويضها بسبب مشاعر الظلم والاضطهاد والخوف والقهر الاقتصادي، وانزوت أخرى، وتنازلت ثالثة عن منزلتها، وابتعدت رابعة خوفًا من الاصطدام  بتيار القهر الذي لم يترك شيئًا جميلاً في حياة العراقيين جميعًا، بعد أن حولها الطاغية إلى جحيم لم يبق على أخضر أو يابس.

     وفي خلال السنوات العجاف التي مرَّت على البلاد شهد العالم طفرة علمية، بل انقلابًا في شتى مسارب المعرفة، بل شهد أيضًا طفرات نوعية وتغيرات جذرية في آفاق التعليم ونظمه كان العراق غريبًا عنها، وتغيرت أنظمة التعليم الوسطي، بل تأسست في البلدان المتقدمة مدارس تربوية تمتلك إمكانات في التطوير والتجديد وخلق فرص لا تحصى في العمل والإدارة والتسويق والصناعة والصحة من الصعب تخيل حجمها ومردوداتها المادية على شعوب تلك البلدان، فنهضت بها نهوضًا يدعو إلى العجب والملاحظة والتأمل والاقتداء.

     وأزعم أن بناء التعليم على أسس علمية سليمة كفيل في إحداث الطفرة العلمية المادية الاقتصادية التي تحلم بها بلادنا في أقرب الآجال، على أنه في غاية الصعوبة، وهو في حاجة إلى كل أعمدة الحكمة  للقيام به، ولكنه ليس بمستحيل إن فكرنا بالبداية الصحيحة، وابتعدنا عن التخبط الذي واكب مسيرته  وما مرَّ به من كوارث أزمات.

      وأزعم أيضًا أن البناء الديمقراطي لأية دولة من الدول يعتمد اعتمادًا مباشرًا على التعليم، فبيده عجلة التطور والتقدم يقودها حيث شاء إن أدير إدارة حكيمة مبنية على أسس متينة علميًّا، ولكنه في حاجة إلى الصبر والعمل والمثابرة ومقارنة الماضي بالحاضر لتشوف المستقبل، ويحتاج أيضًا إلى دراسة النظم الديمقراطية الناجحة ومعرفة سرِّ نجاحها كي نستفيد من تجربتها وأخذ الصالح الذي لا يتعارض مع قيمنا ويتماشى مع إمكاناتنا وظروفنا، وخطوة خطوة نستطيع أن نحقق من الآمال في أقرب الآجال ما عجزت الشعارات التي اكتوينا بنارها أن تحققها قرابة أربعة عقود.

     و العدالة الاجتماعية التي نحلم بها أيضًا لا يمكن أن تحققها شعارات الحرية والديمقراطية والحياة النيابية الدستورية، ولا الشعارات التي تطالب بالحقوق القومية أو الدينية أو غيرها، إنه التعليم القويم وحده القادر بالفعل على تحقيق تلك الشعارات دون دوي أو طبل وزمر، إذ بواسطته نستطيع خلق دولة القانون التي في نهايتها لا يكون الشعب في حاجة إلى حكومة قدر حاجته إلى تسيير روتيني لا غير، وهو حديث لا تستوعبه وقفة عابرة، ولا يمكن تحقيقه ما بين عشية وضحاها.

     وأول التصورات التي يمكن التفكير بها تكمن في إخراج مراكز التعليم العالي من لعبة السياسة تمامًا، وتغليب الجانب العلمي في وضعيتها بعيدًا عن لعبة الانتخابات التي لا علاقة لها بالعلم والتعليم، أو لعبة الديمقراطية التي لا يمكن أن نصل إليها خلال العقدين القادمين، لأن مفهوم الديمقراطية صعب على التحقيق، والفهم، والسلوك؛ إذ إنها تعني في مفهومنا حق التعبير عن الرأي، وهي في مفهومها الحقيقي تعني عدم الاعتداء على حق الغير، وحقوق الغير لا تعني السياسة لأنها مسار من مساراتها وهو مسار لا يشكل في ذهن الشعوب حيزًا كبيرًا بل إن الشعوب التي استطاعت العبور يصعب أن تلحظ في مجتمعاتها الأحاديث التي تدور في مجتمعاتنا منذ نصف قرن ويزيد.

     إن تغليب الجانب العلمي يعني خلق مجالس  علمية في أصغر وحدة تعليمية إلى قمة الهرم بحيث تملك هذه المجالس قوة القانون في التنفيذ بعيدًا عن الصخب الإعلامي الذي أفسد كل شيء جميل في حياتنا وضيعنا في الداخل والخارج

     والقسم في الكلية أو المعهد هو أصغر وحدة من خلاله تبنى وزارة التعليم العالي، لذا وجب تأسيسه على ضوابط سليمة، فلابد في اختيار رئيس القسم ولجنته العلمية من تغليب الجانب العلمي بحيث تكون الرئاسة فيه دورية حصرًا بأعلى الألقاب فيه، وبحيث تكون عضوية لجنته العلمية حصرًا بأعلى الألقاب فيه أيضًا، وهكذا ستكون الفرصة متاحة أمام جميع المجتهدين لتولي تلك المناصب الاعتبارية التي تعززها مكافآت مناسبة، وبهذا لا تكون حكرًا على طائفة أو فئة أو حزب، ولا تستطيع المحسوبية أن تتدخل في الاختيار بأي شكل من الأشكال، بل لا تستطيع أية جهة أن تدعي وقوع الظلم عليها، إذ إن الدور آتٍ لكل مجتهد، على أن تحدد مدة رئاسة القسم بسنتين أو ثلاث سنوات.

      ومن رؤساء الأقسام ورؤساء اللجان العلمية يختار عميد الكلية لمدة سنتين أو ثلاث سنوات أيضًا، على أن تكون العمادة دورية بين أقسام الكلية، بحيث تكون الفرصة متاحة لجميع الأقسام في تولي هذه المسؤولية، كما أنها ستكون متاحة للجميع، وهكذا نمنح فرصة حقيقية للقرارات العلمية المدروسة كي ترى النور، ولا يركز الاهتمام على قسم على حساب آخر، أو دون آخر.

     وتأسيس من هذا النوع لابد أن يدعو إلى احترام هذه المناصب التي فقدت بريقها منذ عقود في العراق، إذ كانت تستمد قوتها وجبروتها من الرؤى البوليسية التي كانت تسيرها، ومن المحسوبية والعلاقات المشبوهة التي تلتفُّ حولها.

      ومن عمادات الجامعة يختار رئيسها مدة سنتين أو ثلاث سنوات وبصورة دورية بين الكليات أيضًا، وهكذا نستطيع تكوين مجلس جامعي علمي يحظى بالاحترام والموضوعية في قراراته، ويحترم المعرفة ويقدر رجالها، ويملك فهمًا وحدسًا صحيحًا، وبذا تستطيع أن تبني عليه تعليمًا يبتعد تمام الابتعاد عن الشعارات الجوفاء التي هدمت التعليم وأساءت إلى طاقاته الخلاقة وضيعت خيرة مكوناته ونثرتها في أرجاء الأرض.

      أما منصب الوزير فهو منصب اعتباري سياسي تحكمه أعراف جامعية يمكن ترسيخها بمرور الوقت، وتحدده مسارات السياسة العامة للبلد، وبالتأكيد فإنه سوف لن يخرج عن الإطار العلمي العام، بل قد يأتي الوقت الذي يخرج فيه هذا المنصب من لعبة السياسة أيضًا فيختار من مجلس الجامعات بصورة دورية أيضًا.

      ونظرًا للفجوة التي تفصلنا عن العالم لابد لوزارة التعليم والجامعات أن تكتشف النظام الجامعي الجديد بفروعه المعرفية التي تصعب على الحصر، ولا يتم ذلك إلا باختيار أكثر العناصر معرفة وحرصًا ووطنية للقيام بهذه المهمة، لأنها تحتاج إلى الملاحظة التي تستطيع اكتشاف سر النجاح وإمكانية تطبيقه تطبيقًا علميًّا يؤدي إلى نفس المكاسب التي حققها في تلك البلاد ذات العلاقة.

     إن ميزانية التعليم في بعض الدول المتقدمة تتجاوز في رقمها الناتج القومي للبلاد النفطية مجتمعة، وسأكتفي بذكر مثال واحد كي نتصور هول الكارثة التي مرَّ بها التعليم العالي في العراق، وفي أغلب البلدان العربية الإسلامية بسبب النزعات الفردية والقرارات المزاجية والحروب القذرة التافهة التي زجت بها أغلب بلاد المسلمين، وغذتها شعارات كلفت الأمة عقودًا من التخلف والجور والحرمان والقهر، وخلقت إرهابًا أساء إلى سمعة الإسلام والمسلمين والعرب أجمعين.

     وقبل ذكر المثال أود أن أشير هنا إلى أن أغلب مرافق التعليم في أوربا ليست تابعة لوزارة، وبإمكان أي فرد أو شركة فتح جامعة أو معهد أو ما إلى ذلك من المرافق، إلا أن عملية التأسيس ليست هي المهمة، المهم هو اعتراف القائمين على التعليم بذلك المرفق، واعترافهم لا يخضع إلا للضوابط العلمية التي تراكمت خلال أكثر من قرن بحيث لا يمكن تجاوزها بأية حال من الأحوال ، ولا مكان للمحسوبية أو الرشوة أو التأثير في خطوات الاعتراف الرسمي، وإذا تم الاعتراف فإن هناك من الرقابات ما يبعد احتمال الخطأ أو التلاعب، بل إن المؤسسة التعليمية الجديدة مهما حاولت التلاعب فإنها في النهاية لابد أن تقع تحت طائلة القانون.

ولا تراني مغاليًا إذا قلت لك: إن هناك بونًا شاسعًا بين القائمين على العملية التربوية في هذه البلاد وبيننا، وهو أمر سأقف معك حوله في مناسبة قادمة إن شاء الله.

     إن ميزانية التعليم لهذا العام في هولندا بلغت سبعة وخمسين مليار دولار، أما ميزانية الدفاع فيها فلم تتجاوز السبعة مليارات، وكان الرقم الثاني مجال نقاش شعبي حاد حينما أعلنت الميزانية لاعتقاد الشعب الهولندي بعدم حاجة البلاد إلى الدفاع، بل إن الشعب البلجيكي استطاع أن يصل إلى قناعة بعدم الحاجة إلى هذه الوزارة فألغاها، وعلينا أن نعرف أن هذه الدولة التي رصدت لتعليمها السبعة والخمسين مليارًا لا تملك أية ثروات طبيعية كبقية الدول الأوربية الأخرى، ولكن صادراتها من الورود قد تتجاوز صادراتنا من البترول.

     باقة ورد من حديقة باولن تاون أشهر الحدائق في العالم وأكثرها زوَّارًا للصديق العزيز طاهر مع صادق التمنيات بالنجاح والتوفيق.