Make your own free website on Tripod.com

من أعلام الأدب الشعبي في النجف

  الشيخ فاضل الرادود

·       محمد سعيد الطريحي

الشيخ فاضل الرادود ابن حمود بن عبود بـن

مطلق بن فرج بن خميس بـن فهد بن عليان المحمدي،

نــزح جـده وعــدد مــن أقـــاربــه مـن لـواء الدليم

(محافظة الأنبار حالياً) في حوالي سنة 1850م ، ونزحت مع جده المذكور أسرة خاله المجاهد الشهير في ثورة النجف سنة 1917هـ الحاج نجم المعروف بلقب " البقال " .

ولد الشيخ فاضل بمحلة المشراق في النجف الأشرف سنة (1320هـ 1902م) وفي عام (1335هـ 1916م) انتقلت أسرته إلى الكوفة أو الجسر كما كانت تسمى يوم ذاك ، وهناك تعرّف على مجالس الشعراء الشعبيين وهي كثيرة بالكوفة واتصل بالمرحوم الشيخ ياسين الكوفي وكان من أمهر الشعراء الشعبيين وأكثرهم إجادة لهذا الفن الذي كان وما يزال يستحوذ على محبة الفراتيين خاصة ، فأعجب بأستاذه أيما إعجاب ورغب في محاكاته وحفظ مطولات شعره وكانت أكثرها في مدح ورثاء أئمة أهل البيت عليهم السلام ، وحاول النظم وجارى شعراء الكوفة وعارضهم حتى إذا استقام عودة وتفتقت قريحته شعر بأهمية دراسة العربية وعلومها ، وكان يذهب إلى النجف ويطيل الجلوس لدى حلقات العلماء ، فاستفاد من دروس الشيخ قاسم آل محي الدين والشيخ بشير العاملي وتأثر بالشاعر السيد مهدي الأعرجي ، ولم يقطع صلته بنوابغ الشعر الشعبي في النجف وعلى رأسهم الحاج عبود غفله والشيخ إبراهيم أبو شبع .

وبرزت لديه موهبة الشعر كما خصه الله تعالى بصوت جميل جداً وأتقن الألحان المعمول بها وشهدت له أرياف الكوفة حفلات حلّق فيها الرادود بصوته المتميز الذي حظي باهتمام الجمهور ثم إنه ابتدع طريقة جديدة في النظم وهو ما يعرف اليوم باسم (الوكفه) و (الكعده) التي تتلى عادة بعد قراءة المجلس الحسيني .

وكانت له طريقته الخاصة أيضاً في الإلقاء لم يستطيع أن يقلده أحد فيها حتى اليوم ، وقد شهدت له مجالس متعددة في الكوفة ، كان يجلس تحت منبره آلاف الناس ليستمعوا إليه وهو يشدو بالنظم الحسيني الذي يشرح فيه فضائل أهل البيت (ع) ويطعمها بذكر الأحداث السياسية والأزمات التي كانت تعيشها الأمة فيثير العزائم ويحرك الجموع المحتشدة بالهتاف والتأييد وربما يجرها ذلك إلى الصخب وهياج الغوغاء الذين اعتادوا أن يخرجوا عن طورهم بمجرد الإشارة العابرة .

واتهم الشيخ فاضل بميله للتيار اليساري الذي كان مدّه قوياً في أواخر الخمسينات ، وتعرض لاعتداء البعثيين عليه وهو يقرأ على المنبر الحسيني بالكوفة ، حين هجم عليه أفراد من (الحرس القومي) وصوّبوا نحوه بنادقهم وهو في وسط جماهيره وكان رابط الجأش سريع البديهة في قول الشعر ، فقطع خطبته الاعتيادية لينشد قصيدة على بديهيته المعهودة افتتحها بقوله :

الله مـن هجمـوا على هالمنبر        الله بالرشاش يشهد (حيدر) ..ألخ

وكانت آلاف الناس المحتشدة تردد معه هذا المستهل الناري فانكفأ أفراد الحرس القومي ولاذوا بالفرار خشية من غضب العامة .

هذا الموقف من مواقفه الكثيرة ، وكل من جاء بعده من (الرواديد) جمع (الرادود) كما يصطلح على ذلك العامة عندنا ، فهم عيال عليه في طريقة النظم والإلقاء ، ولقد كان له في تلك الأيام صولات من الشهرة والمجد اختفت الآن تماماً ولم يعد أحد يذكرها وهكذا الدهر من حال إلى حال .

والملا فاضل الذي اتسعت شهرته في محيطه خاصة ابتلي بعدد كبير من الحساد الذين كانوا يختلقون عنه الإشاعات المغرضة وابتلي أيضاً بمشاكل طبعت حياته بالحزن الشديد والألم العميق ، وقد اجتمعت به كثيراً في أوائل السبعينات وكانت الكآبة بادية عليه وعتبه على الأصدقاء كبير ، فكان يعيش في شبه عزلة انصرف فيها لنظم الشعر وكان يمدني آنذاك بآخر ما نظمه من "رباعيات الخيام" ونقلها من تعريب الشاعر السيد أحمد صافي النجفي إلى الشعر الشعبي باللسان العامي العراقي ، وكانت محاولته موفقة جداً ، وكنتُ مشرفاً على الصفحة الأدبية في جريدة العدل النجفية وأعجبتني طريقته فكان يملي عليّ منظوماته لأكتبها وأقدمها للنشر في الجريدة المذكورة .

والواقع إن الملا فاضل هو أول من نظم رباعيات الخيام بالشعر الشعبي العراقي ولعله الوحيد ، وقد سبقه إلى نظمها بالشعر الشعبي المصري الشاعر حسين مظلوم رياض . والذي طبعت منظوماته بالقاهرة عام 1944 بمائة صفحة تقريباً .

وعندي إن طريقة الملا فاضل افضل وأحب للنفس والذوق العام فقد نظم كل رباعية في (موال) أو (الزهيري) كما يعرف في بغداد والموصل ، وحافظ الملا فاضل أثناء نظمه لكل رباعية على الأصل بالشطرين الأولين والشطرين الأخيرين وتصرف في الثلاثة الوسطى كما في قوله :

(الأصل) للخيام

كل ذرات هذه الأرض كانت

 

 

أوجهاً كالشموس ذات بهاء

 

أجلُ عن وجهك الغبار برفق

 

 

فهو خدّ لكاعبٍ حسناء

 

(الموال) للملا فاضل

ذرّات هـذي الأرض جـانت اوجـوه او حسن

تـضـوي شـبـيـه الشمـس أم البهـاء او حـسن

يا صاح عن وجنتك أجلي الغبار برفج (برفق)

خـذ للكـواعـب هــوه وللناعسات او حـسن

والمعروف إن الموال العام يشتمل على سبعة أشطر ولهذا قام الملا فاضل بصياغة نظمه الشعبي لكل رباعية على السبعة أشطر فاضاف إلى الأبيات السابقة ثلاثة ابيات اخرى وظهر نظمه لكل رباعية كموّال مختص بها وأثبت هنا نظمه للرباعية السابقة حسب نظام السبعة أشطر :

 

ذرات هذي الأرض جانت وجوه او حسن

 

 

 

تضوي شبيه الشمس أم البهاء او حسن

 

 

 

بعين الحقيقة لون تنظر تراها او حسن

 

 

 

جانت تسير بمهل سير الغواني برفج

 

 

 

بفجوج وادي الورد تزهي زهور برفج

 

 

 

يا صاح عن وجنتك اجلي الغبار برفج

 

 

 

خد الكواعب هوه وللناعسات او حسن

 

 

           

وهذه نماذج أخرى من نظمه الشعبي لرباعيات الخيام أثبت في مقدمة كل منها (الأصل) من تعريب السيد أحمد الصافي النجفي :

إلهي قل لي من خلا من خطيئة

 

 

وكيف ترى عاش البريء من الذنب

 

فإن كنت تجزي الذنب مني بمثله

 

 

فما الفرق ما بيني وبينك يا ربي

 

 

مَنْ سِلَم كلي يلاهي من خطيئه بَعَد

 

 

 

وهل كيف عاش البريء من الذنب عن بعد

 

 

 

والقدره لعبت بشدّاد وثمود وبعد

 

 

 

وجابو الصخره بالوادي نشبهم يرب

 

 

 

ولوله يمر عالبحر اسمك الأعظم يرب

 

 

 

انجان تجزي الذنب مني بمثيله يرب

 

 

 

شلفرق ما بيني او بينك يلاهي بعد

 

 

               

***

إن تشرب المدام إسبوعاً فلا

 

 

تدع لذي الجمعة قدساً شربها

 

السبت والجمعة عندي استويا

 

 

لا تعبد الأيام واعبد ربها

 

 

لو تشرب اسبوع لعد خمر الطله او عظّمه

 

 

 

بالجمعه اشرك او اترك قدسها او عظمه

 

 

 

واسجي لحم هالارض من مايها او عظّمه

 

 

 

مالك من المال من غير الأكلته سوه

 

 

 

الايام لجل العدد سماها ربها سوه

 

 

 

يا صاح وبمذهبي جمعه وسبتها سوه

 

 

 

لا تعبد ايام واعبد ربها وعظّمه

 

 

               

***

إجعلوا قوتي الطلا وأعيدوا

 

 

كهرباء الخدود للياقوت

 

وإذا مت فاجعلوا الراح غسلي

 

 

ومن الكرم فاصنعوا تابوتي

 

 

قوتي وشرابي الطله اليوم اجعلوا ياهلي

 

 

 

وياقوت كهرب اخدود ام الغنج ياهلي

 

 

 

والحسن مصباح ليلي وبي عطر ياهلي

 

 

 

والعشك يجذب سِحِرْ مني الكلب والراح

 

 

 

بمستقبلي حي هله راح المضه والراح

 

 

 

لوله متت غسّلوا جسمي بخمر والراح

 

 

 

وتابوتي من دوحة الكرم اصنعو ياهلي

 

 

               

***

إن نلت من حنطة رغيفاً

 

 

وكوز خمر وفخذ شاة

 

وكان ألفي معي بقفرٍ

 

 

فقت بذا عيشة الولاة

 

 

لو نلت كرصة خبز حنطه وفخذ من غنم

 

 

 

من الخمر كوزٍ نلت يا صاحبي من غنم

 

 

 

وصوتٍ رخيمٍ عذب ساحر قلب من غنم

 

 

 

صدري توسع لهن والهن قليبي خَله

 

 

 

لهاي المطالب شرط عن ناس مبهن خله

 

 

 

لو كان ساكن وليفي معاي برضٍ خله

 

 

 

يهل العيشه فقت السلاطين اوبها من غنم

 

 

               

***

نحن يا مفتي الورى منك أدرى

 

 

لم تزل عقلنا مدى السكر راح

 

أنت تحسو دم الأنام ونحسو

 

 

دم كرم فأينا السفاح

 

 

احنه يا مفتي الوره من عندك أدره وره

 

 

 

كل هالسكر ما خطه منا عقلنه وره

 

 

 

وما سرنه مثلك بالاحكام ونهجنا وره

 

 

 

ما نحرّم مَحلل او حللنا دم الكَرم

 

 

 

وما نبخل ابجودنا وبجوده دوم الكرم

 

 

 

انته شرَبتْ دم بشر وشربنا دم الكرم

 

 

 

انصفنه يا هو الشرب دم وسفك دم وره

 

 

               

***

العيد جاء فسوف يصلح أمرنا

 

 

والراح للإبريق سوف تعود

 

ويفك عن هذي الحمير لجامها

 

 

بالصوم والصلوات هذا العيد

 

 

العيد اجه ولابده يصلح أمرنه ويحل

 

 

 

ويعود ساقي لابريق المدامه ويحل

 

 

 

بحكم الشرع زادي وشربي وهنائي يحل

 

 

 

ونباح الي كلما عم البشر محترم

 

 

 

وبشهر رمضان حلال اصبح الي محترم

 

 

 

اليصوم متلجّمه وليل الصلا محترم

 

 

 

عن هالحمير اللجم ايفكها العيد ويحل

 

 

               

***

يا رب إنك ذو لطف وذو كرم

 

 

ففيم لا يدخلن المذنب الخلدا

 

ما الجود إعطاء دار الخلد متقياً

 

 

إن العطاء لأصحاب الذنوب ندى

 

 

انت كريم الكرم والكرم يا رب ندى

 

 

 

عاصي اشسبب ما يطب فردوس جَنتك ندى

 

 

 

يا اكرم الاكرمين وما شبيهك ندى

 

 

 

بحبك دليلي ثمل وانشغف بي مو كرم

 

 

 

ما رام غيرك ضميري بالعطه مو كرم

 

 

 

للطايع وللتقي تنطي خلد مو كرم

 

 

 

اكرام اهل الذنب واهل المعاصي ندى

 

 

                 

***

مررت بمعمل الخزاف يوماً

 

 

وكان يجد بالعمل الخطير

 

ويصنع للجرار عرى ثراها

 

 

يد الشحاذ أو رأس الأمير

 

 

بمعمل الكواز من مريت انه مسايله

 

 

 

يجرخ شفت بالجِدَمْ لطيانها مسايله

 

 

 

ولعمالها الخطره لنّه ايجيدها مسايله

 

 

 

ابطينه افتكر واحتيه ومنها اغتنه منثره

 

 

 

خزّاف شغله او اكل هذا اللحم منثره

 

 

 

يصنع عراوي للكوازه شفت منثره

 

 

 

روس الملوك اوادين امجاديه مسايله

 

 

                 

***

دع عنك درس العلوم أجمعها

 

 

واشف باصداغ شاد سقمك

 

واهرق بكأس دم الزجاج وطب

 

 

من قبل أن يهرق الزمان دمك

 

 

اترك لدرس العلوم المتعبه جملته

 

 

 

ولسقمك اشفي بزلف أغيد خشف جملته

 

 

 

وادهن جعوده بعطر ورد الحسن جملته

 

 

 

ومن عرك خد الحمر شم وارتشف بي وطب

 

 

 

من حيث معشوقك العلتك شفاها وطب

 

 

 

إسفح الدم الزجاجه ابكاس شربك وطب

 

 

 

من قبل ما دمك ايسفحه الدهر جملته

 

 

                 

***

وعندما نظم الشاعر المهجري الشهير ايليا أبي ماضي قصيدة " الطلاسم " ووصلت إلى النجف قام عدد من شعراء النجف بمعارضتها ومنها معارضة العلامة الشيخ محمد جواد الجزائري وكانت معارضته شعرية مع شروح تتناول النواحي الفلسفية ، وعارضها بالشعر الشعبي المرحوم الشاعر الفكه حسين قسام ، وعارضها صاحبنا الملا فاضل أيضاً ومن ذلك قول أبي ماضي :

جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت

 

 

ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت

 

وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت ؟

 

 

كيف جئت ، كيف أبصرت طريقي..

 

 

لست أدري؟

 

 

         

فقال الملا فاضل :

جئت لو تعلم معلولاً وذا منك خليق

 

 

ثم أبصرتَ لمسراك بعينيك الطريق

 

لا كما شئت برغم جئت كالعبد الرقيق

 

 

هكذا جئت وأبصرت طريقاً ..

 

 

سوف تدري !

 

 

         

ومن شعره حين كان في السجن مخاطباً ولده (عصري) :

 

ولدي منك إلى السجن لقد جاءت رسائل

 

 

 

تطلب فيها جواباً مني عن بعض المسائل

 

 

 

فأجيب عن سؤال واحد والباقي آجل

 

 

 

عن قيودي بالحديد ثم تكبيل السلاسل

 

 

 

هكذا اسم قيود الذل في (دنيا السجون)

 

 

 

ولدي ساقي مذ صارت من القيد مريضه

 

 

 

لطبيب السجن قد قدمت رسمياً عريضه

 

 

 

منه فيها قد رجوت رفع أصفادي البغيضة

 

 

 

دون أن يفحص جسمي قال لي وأشتد غيضه

 

 

 

ليس فيك أي سقم حيث لم أبد الفريضة

 

 

 

جاهلاً كنت فروض الطب في (دنيا السجون)

 

 

 

ولدي من ثم جئت لطبيب سائل

 

 

 

إن ذا المسجون مثلي لـمَ لم يحمل سلاسل

 

 

 

لم يكن مثلي سقيماً ونحيل الجسم ناحل

 

 

 

هل رفعت القيد عنه بقرار الطب عادل

 

 

         

فاضل الرادود     بالسجن ممدود

هذا عنوان اهزوجة شعبية كان يهتف بها الأطفال في النجف وبعض ضواحي الفرات وبقيت حيّة ربما إلى أوائل السبعينات ، فالملا فاضل احتل مكانة في نفوس العامة وحينما تعرض للسجن سنين طوال كان يبعث بدواوينه وقصائده إلى خارج السجن فيعاد نسخها وتوزع وتحفظ وكان تعاطف العامة إلى حدٍ ما مع مأساته مهما كانت الظروف التي دخل على أثرها إلى السجن ، فالملا فاضل كان يثيرها في مواسم العزاء ويهيج أحاسيسها بما يستبطنه شعره من مدح أو قدح للسلطة وطريقة عرضه للأحداث السياسية ، وهناك الكثير من الأهازيج التي ربما لم أعد أتذكرها عنه وهي على كل حال تدل على رسوخ أمره في الذاكرة الشعبية .

أما قصة سجنه فندع الحديث للملا فاضل ليحدثنا بنفسه عن ذلك ثم سنعطف إلى ذكريات أدباء زاروه في سجنه ووصفوه وسجلوا انطباعاتهم عنه، قال المرحوم الملا فاضل :

((كنا في رمضان من سنة 1945 وكان الوقت قبيل المغرب وأنا أعود إلى بيتي للفطور وكان شديد الحرارة وقد أحسست في ذلك اليوم بصورة خاصة بعطش شديد لا أزال أذكره ، وعلى أن كثيراً من الأصدقاء الذي أشاروا علي بوجوب الإفطار في هذا الشهر وأيدهم في ذلك طبيب صديق لي نظراً لما قد لازمني من صداع استمر نحو أسبوعين وأكثر قبل حلول شهر رمضان فإن نفسي أبت ذلك ووجدت راحتي كلها في الصيام على رغم إحساسي بشدة الصداع مما كان عليه قبلاً .

وفي الطريق وأنا متجه إلى البيت مر بي شخص قائلاً : لا بأس إن تسرع لأن ابنيك قد دخلاً في نزاع مع الآخرين فمضيت على سجيتي ولم أعر الأمر أهمية لأنني كنت أعلم إن ابني الصغير كثيراً ما يوقعه اللعب مع بعض أنداده الذين أعرفهم في شجار ، فيخرج إليه أخ الطفل وأبوه وأمه فيوسعون ابني ضرباً فيجيء إلى البيت باكياً فأزجره أنا الآخر وأوبخه ولا أتركه حتى يتعهد لي بأنه لن يلاعب بعد هذا الصبي الذي إن مسه أحد بالريشة مس أهله المعتدي بالنار، فقلت في نفسي إن ابني مستحق للعقاب فإذا لم يضرب ضربة مؤلمة فلن يتوب، ولكن ما كدت أسير بعض الخطوات حتى لقيني شخص آخر وقال يجب أن تدرك ابنيك قبل أن يقتلا فخففت حينذاك مسرعاً وحين أقبلت رأيت جمعاً كبيراً يتألف من أهل الصبي المذكور وأعوانهم ومن ابني الصغير والكبير وأعوانهما وقد اشتبكوا في العراك ، وقد تدخل البعض بين الطرفين ليبعدوهما عن بعضهما فلم يوفق ، لقد رأيت بعيني هرواة تنزل من فوق الرؤوس وخنجراً مشهوراً يبحث صاحبه عن أحد ابني ليغرزه في جسده .

هكذا كان الحال باختصار حينما وصلت ، وكنت قد حملت معي مسدساً منذ الليلة الماضية لأني كنت مدعواً ليلتها في قصبة الشامية وكان علي أن أعود في ساعة متأخرة من الليل فظل المسدس مشدوداً إلى جنبي فمددت يدي إليه وسحبته وأنا أريد أن أهدد به لأفتح طريقي وأخلص ولدي من وسط تلك المعمعة ، فلم يفد التهديد فأطلقت منه بعض الطلقات على سبيل التخويف ، فقرت رصاصة في رأس رجل عزّ والله علي فقده وأحزنني قتلي إياه . فقد كان دخل المعركة ليحسمها ولم يكن له فيها ناقة أو جمل وقرت رصاصة أخرى في رأس رجل كان قد مر من هناك وليس له بما يجري دارية ، ولكنها الأقدار .

وتدخلت الأقدار مرة أخرى في الأمر حيث أوحت لي التمسك بالإنكار في المحاكمة فأنكرت أن أكون أنا القاتل ، فحكم علي بالسجن المؤبد ثم فهمت بعد ذلك إنني لو قلت الواقع يومذاك لكن لي من ظروف القضية من الدليل على إني لم أرد أن أقتل حتى ولا في سبيل الدفاع عن ابني اللذين كاد الخنجر أن يمزق أحدهما أو كليهما ما يخفف الحكم كثيراً ولكن سبق السيف العذل .

وأستطيع أن أقول إنني لم أكذب من قبل وحين كذبت لأول مرة فقد كلفتني هذه الكذبة الشيء الكثير .

إنها الأقدار ، وإلا من قال لي أن أحمل المسدس ؟ إنها الأقدار ، وإلا من أرغمني على الصيام في ذلك الشهر فأطار الصوم صوابي وبدد حلمي ؟ إنها الأقدار ، وإلا فما الذي حملني على أن أكذب فأنكر الجريمة ولا أتحدث إلى القضاء بظروفها وأحوالها المخففة ؟ ))

هذه هي قصة سجن الملا فاضل كما رواها بلسانه ، وأودع على أثر هذه الحادثة السجن الذي أثّر في حياته تأثيراً كبيراً ، وممن ألم بهذه الحادثة المرحوم جعفر الخليلي في كتابه (كنتُ معهم في السجن) وقد مرّ بالحادثة المذكورة مرور الكرام ثم أخذ يصف شعوره عن صاحبنا السجين ، قال يعني الملا
فاضل :

((وهذا رجل ذرف على الخمسين ، وإذا استثنينا هذه الحادثة ، أي حادثة القتل التي وقعت له على سبيل المصادفة فنحن أمام مجموعة من الصفات النادرة من حيث طهارة القلب ، وطيب النفس والكثير من صفات الخير ، وهو بعد ذلك شاعر شعبي يجيد نظم العامية ويتغن في نسجها ، وبحورها ، وقد أوتي صوتاً عذباً مكنه من أن يرقي المنابر في المآتم الحسينية وفي مواكبها بيوم الأربعين بكربلاء فيتلو الشعر من منظومه وينشده من تلحينه ، ويرسله بصوته حلواً عذباً يهيج النفوس فتنهال عليه الخلع من جميع الجهات ولا يتم قراءة البحث والمقطع إلا وتكون الإستعادة والإستحسان قد حملته على أن يعيده مرة ثانية وثالثة وأكثر . والملا فاضل الرادود كما هو معروف بهذا الاسم يهب الكثير مما يصل إليه فيعطي ويكرم ، ويعمل مع الشعراء والأدباء ما يعمل الناس معه ، ولربما تنافست المدن على استدعائه في أيام (محرم) التي تنصب فيها المآتم إحياء لذكرى أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) لينشد للمواكب بصوته الرخيم تلك القصائد الشعبية التي يحفظها الصغار والكبار ويرددونها طوال مواسم العزاء ، ولربما دفعت هذه المنافسة إلى أن تزيد كل مدينة في أجورها له لتكسب الملا فاضل الرادود وتسبق غيرها بالإفادة من هذه المواهب .

هكذا كان الملا فاضل ، أينما حل حلت العزة الأدبية بين محبيه ، وأصبح محله مجلساً للتنادر بالشعر العامي ، ولعله يعتبر من العوامل على نقل المعاني المبتكرة من القريض إلى اللغة الدارجة ، ولقد طبع له ديوان شعر في هذه اللغة كما ضمت المجاميع الشعرية للأدب العامي كثيراً من شعره .

إن شخصاً هذه صفته ليحب كل أحد أن يعرف شيئاً عن مصيره وما جرى له حتى استوجب أن يُحكم عليه بالسجن المؤبد وقد قضى من مدة الحكم عشر سنوات لم تشهد السجون للآن رجلاً داخلها كما دخل الملا فاضل ، ولا خارجاً منها كما سيخرج الملا فاضل .

هذا ما قاله مديروا السجن والمأمورون الذين عرفوه عن كتب وخبروا مزاياه ، حب الخير ، وابتعاده عما يشين النفس ، وعفة في الخلق ، وأشياء اُخرى جداً مدحوه بها جميعهم)) .

وهذا أديب آخر وهو المرحوم محمد حسن مبارك يزور هو الآخر صاحبنا الملا فاضل فيسجّل الملاحظات الآتية ، يقول :

لا أدري بالضبط أي يوم دعاني فيه لفيف من زملائي في بغداد لزيارة الأديب الكامل الاستاذ السيد فاضل الرادود في سجنه وكل ما أعلم أنه يوم من أيام نيسان لعام 1949 للميلاد ، وقد صادفت تلك الدعوة رغبة في
نفسي ، إذ كنت أترقب مثل هذا اليوم السعيد لأتشرف بزيارة أديب لامع وشاعر مطبوع وخطيب شهير في وقت واحد .!!

وما هي إلا هنيهات قصيرة كنا بعدها نتطلع إلى شاعرنا السجين وقد رصعت فاه بسمة حلوة لك إن تدعوها بسمة الفرح أم بسمة النصر أم بسمة الرضا والقبول ؛ وما إن استقر بنا المكان حتى أمطرناه وابلاً من اسئلتنا فكان يجيب عليها إجابة المتبصر الحكيم الذي سبر أغوار الحياة وفهم كنهها ومغزاها وأحاط علماً بمتقلبات الأمور ؛ وإذا ألفيتني وأنا أحدق فيه طويلاً وهو يجيب عن أسئلتنا ، أحسست أنه لا يتوصل إلى إرسال كلامه إلاّ بجهد مضن ، تبدو ملامحه في تأثرات وجهه ، وتشنجات كفيه ، وإن تقاسيم وجهه لتنبض بتأثرات روحه ، مما يحملك على الإعتقاد ، إن لسانه ليس هو الوحيد الذي يتكلم ويجيب ؛ بل إن كل شيء فيه له نصيب في الإجابة !! ومما يغلب على الظن إنه كان يستوحي أجوبته من تجاربه الطوال التي استغرقت أعواماً طويلة ؛ آثر بعدها العزلة ؛ وركن إلى الوحدة والسكون ، بعيداً عن صخب الحياة ؛ وضوضاء المجتمع ، ولكنه عاد من جديد بطريق العلم والفلسفة والأدب وقد حسر اللثام على أكثر عادات مجتمعنا الشاذة ، فبدت جلية واضحة باستطاعة أولي الأمر أن يستأصلوا جذورها ، ويقتلعوا بذورها من أبعد الأعماق ، ليحلّ محل العداوة والبغضاء .. الحب والصفاء .. ومكان الشر والفساد .. الخير والإصلاح .

على كل حال فلا يمكن وصف حالة السجين بريشة زائر عابر لا سيما إذا كان السجين مثل (فاضل الرادود) الرقيق الشعور والمرهف الحسن إلى أبعد ناحيته من الإحساس ، وذلك ما يعبر عنه بهذه (الأبوذية) :

((ليالي السود سم اسود سجني

 

 

زماني ابيا سجل خطه سجني

 

صديقي الماكل الزادي سجني

 

 

وهجرني فوك سجني اوّش عليه))

 

وكان الملا فاضل يقضي وقته في السجن بالقراءة ونظم الشعر ، وقد ألف وكتب الكثير في السجن وبعد السجن وهذه عناوين كتبه ودواوينه التي وصلت إلينا :

1 ألف عدو ولا صديق واحد (شعر) بغداد 1955 .

2 ديوان السجين في رثاء الحسين (خمسة أجزاء) طبع بعضه .

3 الأزرية العصرية في اللغة الشعبية (على نهج الأزرية للشيخ الأزري) .

4 نموذج الإعراب لتقوية الطلاب (إعراب ألفية ابن مالك على غرار نماذج الإعراب الحديثة) .

5 خمسة آلاف بيت في فضائل آل البيت (شعر شعبي) .

6 أراجيز انتقادية في شخصيات البلاد ، نشر بعضها في جريدتي الرائد والنهضة البغداديتين .

7 الرباعيات الخيامية في السباعيات الفاضلية ، نقل فيه رباعيات الخيام إلى موالات بالشعر الشعبي ، وتقدم ذكر نماذج منها .

8 (العواصف) معارضة الطلاسم لايليا أبي ماضي ، ذكرنا مقطوعة
منه ، وقد نشر قسماً منه في ((الناشئة الإسلامية)) .

9 الموجة الحسينية ، شعر منثور بأسلوب قصصي مؤثر .

10 الغري أو النجف أبو الأبطال وعرين الأشبال ، عرض لحوادث النجفيين في القرنين 19 و 20م .

11 مناجاة السجناء (سيأتي نصُّها) .

12 دنيا السجون (تحقيقات صحفية من داخل السجن) .