Make your own free website on Tripod.com

الشاشة الفضية

                                                                                                         علي الدباغ

 

منذ فترة تراودني فكرة الكتابة عن صالة السينما.  أعني عن ذلك الشعور الغامض الذي يغمرنا ونحن نتسمر على مقاعدنا في صالة يلفها الظلام وأعيننا مشدودة إلى الشاشة نتابع المشاهد تتتالى وهي تحكي قصة تضحكنا أو تبكينا ولانستطيع الوقوف على الحياد فيها أبدا بل تشدنا للأنتصار للبطل أو للأنتقام منه، تشد أعصابنا حتى أقاصيها كوتر قوس مشدود أو ترخي هذه الأعصاب حتى يدب في الروح شيء يشبه النشوة.

هذه الفكرة تنامت عندي وأنا اشاهد أحد الأفلام في السينما مؤخرا.

 

من بين المشاهد التي عززت انطباعاتي تجاه فكرة صالة السينما مشهد كان المطر ينهمر فيه مدرارا.  مطر غزير جدا يشدني الى مطرية السياب.  كان الوقت، على الشاشة، ليلا كما هو الوقت في الصالة دائما. وتحت أضواء الشارع الذي تقطعه السيارات مسرعة كان المطر ينهمر.  كان صوت المطر قويا.  كأنك لست في صالة سينما، كأنك في الشارع وسط هذا المطر الجميل، ومع ان المشهد الذي تلا أو ترافق مع سقوط هذا المطر كان فاجعا.  إلا أن ما علق في ذاكرتي أكتر مشهد المطر، لا بل صوت المطر وموسيقاه الجميله.

لدى السينما هذه القدرة الغريبة على ان تسقط، ولو لوهلة.  ذلك الحاجز الحقيقي بينها وبين الوقع خارجها.  لا مطر خارج صالة العرض، ولكن لوهلة تنسى الخارج وتعيش بكل جوارحك ما يدور على الشاشة كما لو كان حقيقة، كما لو انك لست متفرجا وانما جزءا من الذي يدور على هذه الشاشة.

 

انك يمكن ان تشاهد الفيلم نفسه على الفيديو أو على احدى قنوات التلفزيون وانت في كامل استرخائك في المنزل على أريكة مريحة أو حتى في سرير نومك، لكنك لن تشعر أيدا بذلك الا حساس الجميل الذي تحققه لك السينما.  ولا أستطيع أن احصر عناصر هذا الإحساس أو بواعثه.  هل هي الرهبة التي يشيعها إظلام القاعة بحيث انه يشدك شدا إلى شاشة العرض؟  هل هو عمق الشاشة وبعدها واتساع مساحتها فتخلق لديك وهما بأنك تعيش عالما موازيا لبشر يكادون ان يكونوا أمامك من لحم ودم لا مجرد صور تتحرك.  خاصة ان جودة تقنية الصوت تجعل أذنيك قادرة على سماع حتى الهسهسة؟ بل حتي سقوط أوراق الشجر..  ليست حاسة البصر وحدها هي المتيقظة في صالة السينما وانما كل الحواس.

 

ثمة أمر أخر في صالة السينما لا يقل أهمية، يتمثل في المشهد ما بعد الأخير, حين تسدل الستارة على الشاشة وتضاء أنوار القاعة من جديد، أعني به تعابير الحاضرين.  القاعدة في السينما، بصفتها ظاهرة مدينية أساسا، في انك لا تعرف الحاضرين سواك، ولا أعني هنا من رافقوك إلى العرض، وانما الآخرين الذين جاؤوا لمشاهدة العرض مثلك.  انك لن تقاوم في نفسك الرغبة في رؤية التعابير على وجوه هؤلاء، وفي الممر الفاصل بين مقاعد القاعة أو في الرواق الصغير المؤدي إلى الشارع ستسمع التعليقات والانطباعات الفورية على الذي شاهدوه.  ان الأمر اشبه بمجس اختبار لردود الفعل السريعة على الفيلم.

 

السينما عالم مدهش، تتحد فيه الخرافة والمخيلة والواقع لتشكل هذا الفضاء الساحر الجميل الجدير بأن يعاش فيه.

                                                                                علي الدباغ