Make your own free website on Tripod.com

من هو السائح العراقي ؟

 

محمد سعيد الطريحي

 

هو يونس صالح بحري الجبوري ، ولد في الموصل سنة 1903 (1) وتدرج في مدارسها ودخل دار المعلمين سنة 1921 إلا أنه لم يكمل التحصيل فالتحق بوظيفة كتابية في وزارة المالية لكنه تركها عام 1923 وتوجه في هذه السنة إلى خارج العراق سائحاً معتمداً على نفسه فجاب في الكثير من الدول الآسيوية والأوربية واشتغل فيها بمختلف المهن ، وفي سنة 1925 عاد إلى الوطن ، إلا أن حنينه إلى الترحال شحذ همته على السفر مرة أخرى وبعزيمة أكبر وفي الخارج أصبح اسمه يشتهر كسائح عراقي فقابل بعض الملوك والزعماء وكان موضع تكريم وحفاوة من كثير في البلدان التي زارها .

في 29/2/1929 إلتقى لأول مرة بفتاة هولندية في مدينة نيس بفرنسا ، والحسناء الهولندية تنتمي لأسرة ارستقراطية وأمها بارونة المانية ثرية ، ووقعت بينهما رابطة حميمة من الحب والغرام وكانت رغبته بالزواج منها عارمة جداً إلا أنها كانت عازمة على الإستقرار بينما كان صاحبنا في أوج جموحه وطموحه والسعي وراء ملاكماته الصحفية ومغامراته وشغفه بالسفر والتنقل، وقد استمرت العلاقات بينهما مدة طويلة وقد أفاد منها يونس بحري في تحقيق بعض المآرب التي كان يسعى إليها .

تلك الحسناء الهولندية هي جولي فان دير فين ( 1903 1997 )
julie van der veen
 .

في عام 1930 ذهب إلى أندونيسيا واشترك مع الأديب الكويتي عبد العزيز الرشيد (2) بإصدار مجلة باسم (( الكويت والعراقي )) وقد صدر عددها الأول في جمادى الأولى 1350 . وهي مجلة دينية أدبية أخلاقية تاريخية
مصورة . كما أصدر مجلة أخرى باسم (( الحق والإسلام )) .

وفي سنة 1931 عاد إلى العراق فأصدر جريدة ( العقاب ) .

وفي عهد هتلر خلال الحرب العالمية الثانية عمل مذيعاً في محطة برلين العربية بألمانيا وكان يبدأ بإذاعته بـ(حي العرب) وقد طبع ما أذاعه في هذه الإذاعة سنة 1956 في بيروت تحت عنوان (هنا برلين) وعمل إماماً وخطيباً لأكثر من جامع في أوربا .

بعد ثورة 14 تموز 1958 اعتقل لفترة وجيزة ثم أطلق سراحه بوساطة رشيد مطلك ثم استدعاه عبد الكريم قاسم إلى مكتبة بوزارة الدفاع وأكرمه بمبلغ كبير من المال بحضور فاضل المهداوي ومحمد مهدي الجواهري ويونس الطائي إلا انه ظل معادياً لقاسم ويكيل له أبشع الصفات والنعوت ، وبعد مقتل قاسم 1963 تقرب إلى قائد الإنقلاب عبد السلام عارف وأصدر في تأييده كتاب (أغاريد ربيع) الذي طبع في بيروت تحت عنوان (ثورة 14 رمضان المبارك) وصبّ فيه جام حقده على عبد الكريم قاسم وأعوانه .

وكان لا يتوانى في كتاباته في تحقير من يعاديه كما كان مبالغاً إلى حد الإسراف في مديح من تربطه معه المصالح ، وكانت علاقاته متغيرة مع الوسط السياسي ولارتباطاته المتعددة وسفراته المتكررة أبلغ الأثر في توجهاته المختلفة المشتتة فلم يرسي على قرار ثابت ولم يحقق ما تصبو إليه نفسه التواقة إلى منصب رفيع مع كثرة مواهبه وتعدد مزاياه وإلمامه بعدة لغات منها : التركية ، والإنجليزية ، والفرنسية ، والألمانية وهكذا فقد كان بحق شخصية مثيرة للجدل وتلك صفة نادرة لا يتمتع بها إلا قلة من الناس .

توفي يونس بحري عام 1979 (رحمه الله) .

ومن هي الحسناء الهولندية ؟

هي الفنانة الهولندية جولي فان دير فين ، ولدت في 8/2/1903 من أسرة ثرية ، وأمها من أرومة الأمراء الألمان ، درست في الأكاديمية الملكية في (لاهاي) وكانت طالبة متفوقة كما يذكر زميلها (Sierk Schröder) ، ثم ذهبت إلى فرنسا ودرست على يد الفنان أندريه لهوته André Lhote وما زال أثر أستاذها هذا واضحاً على لوحاتها .

وحاولت الإستفادة من الفنان (Lêger) إلا انه لم يروق لها مواصلة الدراسة عنده ، لكنها استفادت لدى وجودها في باريس فائدة كبيرة من مدرسة (grafisch atelier van Hayter) وقامت بعرض لوحاتها في باريس في ثلاث معارض أحرزت خلالها جائزة ذهبية .

وعندما إندلعت الحرب العالمية الثانية حاولت البقاء دون جدوى واضطرت إلى الرجوع إلى وطنها (هولندا) في شباط 1946 فأصبحت من أعضاء الجمعية الفنية العريقة Haagse Kunstkring بمدينة لاهاي .

وقد أحرزت لوحاتها على سمعة فنية طائلة في الوسط الفني الهولندي وكان عملها يذكرنا بأعمال الفنان (Leo Gestel) كما كانت أعمالها متداولة في أوساط متعددة من الناس ، وكانت تعتمد الألوان الفاتحة وتستخدم الزيت والألوان المائية وتهتم بالرسوم الطبيعية .

أما آخر معارضها فقد كان عام 1980 في قاعة Haagse Kunstkring بالإشتراك مع ست من صديقاتها .

بعد ذلك أخذت قواها البدنية تضعف غير أنّ رغبتها في الرسم ومعاودة النشاط لم تفارقها حتى اليوم الأخير من حياتها الذي قضته في دار للعجزة، متمتعة بالخدمة الممتازة التي أسدتها لها الكاتبة الفرنسية
Nareisse Vollenbroek وعن طريق هذه الصديقة الكريمة إستحصلنا إلى كثير من المعلومات المتعلقة بالمرحوم يونس والراحلة جولي .

أخيراً لبت (جولي) نداء ربها في 12/1/1997 .

لقد أشرنا سابقاً أن علاقة جولي بالكاتب العراقي يونس بحري تمتد إلى عام 1929 ، واستمرت علاقة الحب بينهما حتى إعلان الزواج بشكل رسمي في 29/12/1939 (وتجدون صورة الدعوة الموجهة بمناسبة إعلان زواجهما ضمن هذا الملف) .

واستمرت العلاقة الزوجية بين الإثنين متقطعة قضت عليها طموحات السائح العراقي ، فلم يُنجب ولداً ولم يعيشا معاً بصورة هادئة مستقرة مع استعداد (جولي) لذلك ولعل في المراسلات الكثيرة المتبادلة بينهما توضح أسرار تلك العلاقة بصورة أفضل (وقد أثبتنا بعض هذه الرسائل ضمن هذا الملف لمن يريد معرفة تفاصيل أوسع) . وكانت آخر رسالة إستلمتها جولي من يونس بحري مؤرخة في 25/11/1949 .

مؤلفات يونس بحري

1 أسرار 2/مايس/1941 ، أو الحرب العراقية الإنكليزية . (بغداد 1968)

2 تاريخ السودان . (القاهرة 1937)

3 تونس . (بيروت 1955)

4 ثورة 14 رمضان المبارك . (بيروت 1963)

5 الجامعة الإسلامية . (باريس 1948)

6 الجزائر . (بيروت 1956)

7 الحرب مع إسرائيل وحلفائها . (بيروت 1956)

8 دماء في المغرب العربي . (بيروت 1955)

9 سبعة أشهر في سجون بغداد . (بيروت 1960)

10 صوت الشباب في سبيل فلسطين الدامية والبلاد العربية المضامة . (1933)

11 العراق اليوم . (بيروت 1936)

12 العرب في أفريقيا . (بيروت)

13 العرب في المهجر . (بيروت 1964)

14 ليالي باريس . (باريس 1965)

15 ليبيا . (بيروت 1956)

16 محاكمة المهداوي . (بيروت 1961)

17 المغرب . (بيروت 1956)

18 موريتانيا الإسلامية . (بيروت 1961)

19 هنا برلين : حيّ العرب . (1 8 بيروت 1956)

20 هنا بغداد . (بغداد 1938)

21 وحدة أم اتّحاد ؟ 3 سنوات تخلق أقداراً جديدة : سورية العراق اليمن الجزائر الجمهورية العربية المتحدة . (بيروت 1963)


 

صفحة من مذكرات يونس بحري

 

إنقلاب 1936:

ما أن أطلت سنة 1936م حتى كانت مساوئ الحكم في العراق
الذروة .. وكانت الجماهير العراقية قد لمست لمس اليد خيانة حكامها
وتخاذلهم ، وتعفير جباههم على أعتاب المستعمرين .. ناهيك عن الضائقة الأقتصادية التي استحكمت واستفحل أمرها .. فضلاً عن الإرهاب وكم الأفواه وتعطيل الصحف ومنع الإجتماعات ، وحرمان الشعب من أبسط الحقوق الإنسانية ..

كنت في بغداد أصدر جريدتي العقاب اليومية المسائية ، وكان مكتبي يعج مساء كل يوم بالأصدقاء من عراقيين ومن لاجئين عرب من مختلف الأقطار ، وكان من جملة الأصدقاء الخلص الذين كانوا يزورونني الفريق بكر صدقي الذي نال شهرة فائقة بقمعه ثورة الآشوريين في عام 1933م وكنت قد تعرفت عليه في الموصل وعملت بقيادته عندما كنت رئيساً لكتائب الشباب المتطوعين لمؤازرة الجيش العراقي . وكان العقيد محمد علي جواد قائد السلاح الجوي العراقي من زملائي في الدراسة ببغداد ..

كنت معارضاً قوياً لسياسة نوري السعيد داخلياً وعلى الصعيد العربي والدولي ، وفي كل يوم أهاجمه بمقالات نارية صاعقة سببت له المتاعب من الشعب ومن السفارة البريطانية .. ولكنه لم يقدر على التحرش بي لأنني كنت أملك ناصية الشوارع في الرصافة ، وأهل الكرخ من جبور وسامرائيين كانوا من عشيرتي وأبناء عمومتي ، فإذا ما أثرتهم لا يعتم أن يثور أهل العراق بأسرهم .. وكانت علاقتي منذ سنة 1930م متينة بالدكتور غوبلز وزعيمه هتلر .. وكنت أذهب إلى برلين وميونخ في صيف كل عام للترويح عن النفس مصطحباً معي بعض الأصدقاء .. وفي سنة 1935م ذهبت إلى برلين صحبة الفريق بكر صدقي وعرفته على بعض قادة الجيش الألماني الذين أُعجبوا به كقائد عربي ملم إلماماً واسعاً بالستراتيجية " التعبئة وسوق الجيش " الألمانية .. وكانت هذه الرحلة فرصة لتبادل الرأي في سياسة حكام العراق
الإستعمارية .. فأقنعت المرحوم بكر صدقي بلزوم تدخل الجيش لتغيير الأوضاع في العراق ، وانقاذه من أيدي الساسة المحترفين أذناب الإستعمار ..

وما أن عدنا إلى بغداد حتى شرعنا بالتمهيد للعمل الجبار المنتظر .. ورحنا نتحين الفرص السانحة ، فلقد كان جعفر العسكري وزيراً للدفاع وهو فضلاً عن كونه صنواً لنوري فهو زوج أخت ابن السعيد .. أما رئيس أركان الجيش العراقي يومئذ فكان المشير طه الهاشمي شقيق رئيس وزراء العراق ياسين الهاشمي ، وكان طه الهاشمي عيناً ساهرة للإنكليز في الجيش مكّنهم منه تمكيناً لا يمكن لأي بريطاني يخلص لتاج الإمبراطورية أن يوازيه في ذلك ..

التنفيذ :

وفي 1/آب/1936م غادر بغداد إلى استامبول المشير طه الهاشمي لقضاء عطلته الصيفية ، وفي مساء ذلك يوم التقيت صدفة بالفريق بكر صدقي في النادي العسكري وأخبرته بسفر طه الهاشمي ، وذكرته بالوفاء بوعده فابتسم وقال : "صار" يعني موافق .. واتفقنا على الإجتماع في مكتب جميل الوادي المدير العام لمصلحة البريد والبرق والتلفون ، وكان شقيقه شاكر الوادي زعيماً في الجيش العراقي ، وتم الإتفاق في اليوم التالي على أن أعد أنا المناشير اللازمة لتوزع على الشعب ضد الإنكليز وأذنابهم من الحكام .. ويقوم سرب من الطائرات العراقية بقيادة آمر سلاح الطيران العقيد محمد جواد بقصف إرهاب على سراي مجلس الوزراء ، ثم يدخل الفريق بكر صدقي على رأس الفرقة الأولى بغداد ليحتلها مع دوائر الحكومة ووزارة الدفاع .. وحددنا موعد الإنقلاب يوم 11/آب/1936 .

وما أن أطل صباح ذلك اليوم الأغر ، وبعد اكتمال وصول الموظفين والوزراء إلى مكاتبهم في السراي حتى كانت المناشير الداعية إلى الثورة
توزع ،  ونادينا أرباب المتاجر والحوانيت إلى إغلاق حوانيتهم ومتاجرهم مخافة أن ينهبها الرعاع ..

وفي تمام الساعة التاسعة كان سرب من الطائرات العراقية يحلق فوق سراي الحكومة ببغداد ، وقام العقيد جواد بقصف الإرهاب ، فتساقطت قنابله المدوية في باحة مجلس الوزراء .. وبعد ذلك بساعتين دخل الفريق بكر صدقي بغداد ، بعد أن تم قتل جعفر العسكري وزير الدفاع على طريق بعقوبة بغداد لأنه حاول إرجاع الجيش الزاحف عن دخول بغداد .. فقتله الرئيس ((جمال جميل)) وهو الذي قتل الإمام يحيى حميد الدين ملك اليمن سنة
1948 .

الشعب يهلل ويكبر :

لقد هلل الشعب وكبر للقائد المحرر ، واعتبرنا انتفاضة الجيش والشعب هذه ، بداية الخلاص من الإستعمار الإنكليزي وفاتحة التحرر من احتكار الوزارات وحصرها بالخونة والخوارج على إرادة الشعب وأمانيه .. وإنقاذ الشعب من الفوضى والجهل والضائقة والحرمان ..

بدأ الإنقلاب بداية حسنة عاقلة ، فجمع بكر صدقي أعضاء وزارة ياسين الهاشمي ومن بينهم نوري ورشيد عالي الكيلاني وزير الداخلية ورستم حيدر وعلي ممتاز الدفتري وغيرهم من الوزراء ، وسلمهم جوازات سفرهم وحملهم على سيارة "باص" كبيرة نقلتهم إلى سوريا فلبنان ..

وكلف الفريق بكر صدقي السيد حكمت سليمان بتأليف وزارة وطنية للعمل ضد الإنكليز وأعوانهم ، فتألفت الوزارة وعيّن الزعيم الوطني جعفر أبو التمن رئيس الحزب الوطني وزيراً للمالية .

المد الشيوعي الأول :

كانت جريدة الأهالي التي أصدرها السيد كامل الجادرجي قد تبنت الإنقلاب الجديد ، وكان يرأس تحريرها رئيس الحزب الشيوعي " البلوشي" الأصل عبد القادر إسماعيل الذي صار في غفلة من الزمن نائباً عن بغداد في البرلمان .. فأخذ هذا الشيوعي يشن حملات واسعة قوية ضد القومية العربية .. ولم يتصدى له من أرباب الصحف العراقية إلا جريدة العقاب المسائية التي كنت أصدرها ببغداد بوصفي خطيب الثورة والناطق باسمها بأمر من الفريق بكر صدقي ..

وبعد 14 يوماً مرت على ثورة الجيش والشعب ضد الظلم والعدوان جاءني صديقي عقيد الجو محمد علي جواد قائد القوات الجوية العراقية ، وأخبرني بأن الفريق بكر صدقي قرر اعتقالي وإعدامي لأنني حاربت الشيوعيين وهاجمت عبد القادر إسماعيل رئيس الحزب الشيوعي في العراق .. وأعطاني 100 دينار وسيارة ونصحني بمغادرة العراق في تلك اللحظة .. فغادرت
بغداد ، وفي صباح اليوم التالي كنت في دمشق ، ثم قصدت بيروت حيث بقيت فيها .

وفي بيروت أخذت أنباء العراق تصلنا تباعاً وهي تشير إلى الإنحراف الذي أودى بمبادئ الثورة العراقية الأولى .. فلقد أكد القادمون من بغداد إن الفريق بكر صدقي صار عدوّاً لدوداً للقومية العربية وبأنه بالرغم عن جرأته وإقدامه كان عاجزاً عن قيادة الشعب العراقي قيادة سليمة .. عاجزاً عن فهم الحركة الوطنية التقدمية .. ولذلك أطلق للحزب الشيوعي في بغداد العنان لمحاربة الأماني العربية النابعة من العراق والتي كانت محط أنظار العرب في كل مكان.

لما تعرفت على بكر صدقي في الموصل سنة 1933م عندما كان يقود الجيش العراقي لسحق ثورة الآشوريين أظهر لي الفريق بكر بأنه متشبع بالروح العربية .. ولكنه ما أن صار الحاكم بأمره في بغداد حتى أصبح عدوّاً لدوداً للقومية العربية .. الأمر الذي مكن الإنكليز أن ينفذوا من هذه الثغرة إلى تفكيك الحركة الوطنية وأضعافها ، وبالتالي إلى القضاء على الثورة والإنقلاب.

ثورة بلا هدف :

كنت أعتقد أن بكر صدقي عندما قام بثورته العسكرية الأولى في العراق كان قد وضع لها برنامجاً خاصاً للعمل داخل العراق وخارجه .. وخاصة بعد أن أوحيث له بفكرة الإنقلاب قبل عام عندما كنا في برلين يوم أن عرّفته على بعض قادة الرأي والجيش الألمان .. وزوّجته من فتاة ألمانية من فيينا .. ولكنه لم يكن قد أعد للثورة أي منهج خاص ، فارتجل حكماً فردياً وحصر السلطات كلها بيده .. ولعل الظاهرة الوحيدة التي تشفع له عند الوطنيين من أهل العراق والعرب ، انه كان ضد الإستعمار على مختلف ألوانه .. وضد النفوذ البريطاني وسيطرته في وادي الرافدين سيطرة مروعة .. فمنع تدخل دوائر " الانتليجنس سرفيس " التجسس البريطانية من التدخل في شؤون العراق ، وكان يرأسها الكولونيل ديكوري مساعد الكولونيل هولت المستشار الشرقي للسفارة البريطانية في بغداد ..

ومع أن بكر صدقي كان يؤمن باستقلال العراق ، إلا انه لم يتجاوب قط مع القضية العربية لعدم إيمانه بها .. بالرغم عن معرفته بأن جُل الذين ساهموا في تركيز دعائم الحركة العربية في العراق كانوا من إخواننا الأكراد وعلى رأسهم المجاهد الوطني سعيد الحاج ثابت الذي منحته مدينة غزة بفلسطين "بنوّتها" تقديراً لجهاده في سبيل فلسطين والقضايا العربية الكبرى .

وإزاء إهمال بكر صدقي الشعور العربي السائد في العراق ، استقالت العناصر الوطنية من الوزراء بعد أن تخلت قيادة الثورة عن وعودها في
الإصلاح .. وحصرت جُل همها في السعي لتقليص الفنوذ البريطاني في
العراق .

والذي لا يقبل الجدل أن بكر صدقي كان يريد إنشاء عراق مستقل لا يرتبط بالعروبة إرتباطاً وثيقاً ، وجعل العراق نظيفاً من تأثير النفوذ البريطاني.. الأمر الذي أغضب بريطانيا عليه .. والذي زاد في غضب الإنكليز عليه هو مفاوضته ألمانيا الهتلرية وإيطاليا الفاشستية لمدّ الجيش العراقي بالأسلحة الحديثة الثقيلة والخفيفة والطائرات والمدافع المضادة للطائرات ، فرصد في ميزانية وزارة الدفاع 8 ملايين دينار لإنشاء مصانع للأسلحة في بغداد تعهدت له ألمانيا بإنشائها بوساطة الدكتور فريتز غروبا سفير ألمانيا ببغداد بشروط سهلة ، ودعاه هتلر رسمياً لحضور مناورات الجيش الألماني .

مقتل الفريق بكر صدقي :

وإزاء هذه الأحداث كانت بريطانيا قد ألبت أعوانها على بكر صدقي ، وشنتها حرباً عواناً عليه . وفيما كان بكر صدقي وصديقه عقيد الجو محمد علي جواد قائد القوات الجوية العراقية في طريقهما إلى ألمانيا تلبية لدعوة ادولف هتلر حطت بهما الطائرة في مطار الموصل للتزود بالوقود ، وكان بكر صدقي يحمل معه مسودات الإتفاق مع ألمانيا لتوقيعها في برلين .

وفي مطار الموصل تم لبريطانيا ما أرادت ، فقتل بكر صدقي ورفقيه العقيد جواد .. وكان من الممكن أن يقف الجيش العراقي إلى جانبه يدافع عنه ويحبط المؤامرات ضده ، ولكن خطأ بكر صدقي الأكبر كان يكمن في أنه تنكر لكل من يقول بالعروبة في قلب الجيش .. وأبعد عنه عدداً كبيراً من القادة العرب ، وحولهم ضده ففقد معونتهم وتأييدهم وهو في أحرج الظروف ..

ومن المعروف أن بريطانيا كانت تريد المحافظة على احتكارها للنفط في أي مكان في الأراضي العراقية ، وكانت تسعى جاهدة لضم امتياز استثمار نفط البصرة المكتشف إلى هذا الإحتكار .. فلم يكن من بكر صدقي إلا أن أعلن بحركة تمثيلية عنيفة عزمه على تحرير العراق من سياسة بريطانيا النفطية ، وطالب بتعديل شروط الإمتياز القديم في نفط الموصل وكركوك وخانقين ، ووضع امتياز نفط البصرة في مزايدة عالمية بصرف النظر عن جنسية الشركة المتقدمة إليه .. وبالفعل تقدمت شركات ألمانية وإيطالية بعروض مغرية جداً ، وكان من المنتظر أن تفوز هذه الشركات بالإمتياز لولا مقتل بكر صدقي الذي أفسد هذا المشروع في اللحظات الأخيرة ..

حصاد العاصفة :

كلنا يعلم أن بريطانيا كانت تحرص إلى جانب حرصها على النفط ، على حماية احتكارها لطرق التجارة البرية والبحرية والجوية في ثغور العراق وأنهره ، حتى ان ممثل شركة "بيت لنج" البريطانية أعلن في مجلس العموم البريطاني إبان أزمة سكة حديد (برلين بغداد البصرة) عام 1911م بأن شركته هذه لن تخرج من العراق إلا على أسنة الحراب ..

ومع ذلك أخذ بكر صدقي يفاوض شركة يونانية بواسطة العقيد لازار رئيس استخبارات الجيش العراقي في ذلك الوقت لمنحها امتياز النقل البحري والنهري وتحطيم سياسة الإحتكار التي زاولتها شركة بيت لنج .. ولكن مقتل بكر صدقي أحبط هذه الصفقة المغرية وأطاح بحكومته ..

كان مقتل الفريق بكر صدقي قد تمَّ على يد جندي في مطار الموصل يوم 12/8/1937.


 

محمد سعيد الطريحي

 


(1) هناك من يرى أن ولادته عام 1900 أو 1904 والذي يظهر لنا أن هذا التاريخ هو الأوفق وهو أيضاً ما رأيناه في نص التقرير الصادر من السفارة الهولندية ببغداد حول سيرة يونس بحري .

(2) عبد العزيز بن أحمد الرشيد البداح الكويتي الحنبلي ( 1301 1357 هـ )
( 1883
1938 ) فاضل من الكتاب له اشتغال بالتاريخ من أهل الكويت . أصدر مجلة الكويت شهرية بضع سنين وتوفي في جاوه . له تاريخ الكويت (جزآن) . أعلام الزركلي 4/15 .