Make your own free website on Tripod.com

 

 

احباط تنفيذ « خطة امن بغداد » في 14 تموز 1958

سيطرة الضباط الاحرار على اللواء الاول في المسيب

 

 

د. علاء الدين الظاهر

 

 

 

 

 

لا يدرك الكثيرون ان نجاح ثورة 14 تموز في العراق لم يتم فقط بسبب سيطرة اللواء العشرين على المواقع المهمة في بغداد. فقد كانت هناك ادوار ومهام قام بها الضباط الاحرار ومؤيدوهم مثل نجاح المقدم الركن عبدالكريم فرحان بالسيطرة على اللواء المدرع السادس وسحبه الى ايج ثري من الاردن وأفشل بهذا محاولة الاردن المحتملة لاستخدامه في ضرب الثورة. او قيام الرئيس الاول (الرائد) الركن جاسم كاظم العزاوي وبقية الضباط الاحرار بالسيطرة على معسكر الرشيد وقيام الرئيس (النقيب) قاسم امين الجنابي بالسيطرة على موقع بعقوبة واعتقال قائد الفرقة الثالثة اللواء الركن فاضل الداغستاني.

 

وتعتبر محاولة الزعيم الركن وفيق عارف آمر اللواء الاول في موقع المسيب المحاولة الاكثر خطورة في مجابهة الثورة وخصوصا لقرب المسيب من بغداد والحاح وحماسة قائد الفرقة الاولى اللواء الركن عمر علي لتنفيذ «خطة امن بغداد» وهي الخطة التي اناط الحكم الملكي باللواء الاول تنفيذها في حال تعرض هذا الحكم للمخاطر. وكان الحكم الملكي يسمي اللواء الاول ب «رأس الرمح». كانت قيادة الضباط الاحرار على علم بخطة امن بغداد واخذت بنظر الاعتبار هذا الاحتمال عند التخطيط للثورة والمحاولات السابقة للقيام بها. فقامت تكتلات الضباط الاحرار المختلفة بضم بعض ضباط اللواء الاول تحسبا لقيام الثورة.

 

ليلة الثورة

قبل قيام الثورة بحوالي عشرة ايام بعث الزعيم الركن عبدالكريم قاسم الى الضباط الاحرار في اللواء الاول تحذيرا بواسطة العقيد فاضل عباس المهداوي ينبئهم بقرب قيام الثورة ويطلب منع تحرك اللواء الاول واحباط خطة امن بغداد وذكر انه سيرسل لهم خبرا اكيدا قبل يوم او يومين من قيام الثورة. وفي ليلة الثورة وصل الى المسيب العقيد احمد حسن البكر ومعه الرئيس الاول محمد فرج (قام البكر بإعدامه في كانون الثاني 1970) ونقلهم الى هناك بسيارته المحامي عبدالرحيم الراوي. وقامت مجموعة ثانية بالاتفاق مع احمد حسن البكر بالذهاب الى المسيب والتقت بالبكر في النادي العسكري. وهذه المجموعة كانت مؤلفة من المقدم عبدالجبار حسن الزبيدي والرئيس الاول عبداللطيف حسين والملازم الاول سعدون عبدالرزاق حلمي.

 

كان العقيد احمد حسن البكر ضابطا عديم الكفاءة وكان قد قضى في المسيب فترة كآمر سريّة في الفوج الثاني للواء الاول حيث ينص قانون الجيش ان لا يترفع الى رتبة عقيد من لم يقد وحدة فعالة والسريّة كانت اكثر ما يمكن للمقدم البكر قيادته. وفي مقابلة في 20 تموز 1996 في لندن قال الزعيم الركن عبدالوهاب الامين حينذاك آمر الفوج الثاني (العقيد الركن حينئذ) ان قدرات البكر العسكرية لم تزد على قدرات ملازم اول او نقيب في احسن الاحوال. وقد وجد الضباط الاحرار في البكر الشخصية التي لا تثير الشكوك فكل طموحه لم يتعدى الترفيع الى رتبة عقيد وبعد انتقاله الى بغداد في تشرين الثاني 1957 وقع عليه الاختيار للقيام بتبليغ الضباط الاحرار بقيام الثورة خصوصا وإن للبكر صلات صداقة مع بعض ضباط المسيب.

 

وكان والدي ( الرئيس الاول عبدالجبار عبدالكريم) احد الضباط الاحرار الذي يجب اخبارهم لا بسبب انتمائه الى كتلة الزعيم عبدالكريم قاسم (كتلة المنصورية التي قادت الثورة) او علاقته بتنظيم كتلة الضباط الوطنيين السرية التي قادها المقدم الركن عبدالكريم قاسم في فلسطين عام 1948 وانما لكونه ايضا آمرا لسرية المقر في اللواء الاول. كما كان من اصدقاء البكر. جاء احمد حسن البكر الى بيتنا مساء 13 تموز فلم يجد والدي واخبرته والدتي بمحل تواجد والدي. لكن البكر ذهب مع رفاقه الى المهداوي وطلب منه اعاقة حركة اللواء الاول. فتردد المهداوي وقال ان هذا الامر صعب بسبب نفوذ وسلطة آمر اللواء والذي كان في نفس الوقت شقيقا لرئيس اركان الجيش الفريق الركن رفيق عارف. كما ان المهداوي لم يكن مرتبطا باللواء الاول حيث كان آمرا لسرية حراسة موقع المسيب. وابلغ البكر ايضا احد الضباط الاحرار وهو الرئيس طارق رشيد.

 

بل الاتعس من ذلك قامت مجموعة البكر بتحذير ضابط استخبارات اللواء (الرئيس الاول محمد احمد العلي) الذي لم يكن عضوا في حركة الضباط الاحرار. ويقول الملازم (لاحقا اللواء) كامل محمود ان البكر اخبره بموعد قيام الثورة رغم انه وبإعتراف كامل محمود نفسه لم ينتم الى تنظيم الضباط الاحرار وكان فقط يسمع شائعات عن اسماء الضباط المنتمين اليه. (ذكر المهداوي خطأ اثناء محاكمة وفيق عارف وشهادة كامل محمود ضده ان الاخير كان عضوا في تنظيم الضباط الاحرار). ونقلا عن المقدم الركن عيسى الشاوي وغيره فأنه هو الذي ابلغ بموعد الثورة في اجتماع واحد بمكتبه في 13 تموز كل من احمد حسن البكر  والمجموعة الثانية . ويذكر الشاوي ان البكر قال للمجموعة الثانية عند لقائه بها في المسيب ان لا داعي للقلق وليس هناك واجب يقومون به فكل شئ تحت السيطرة في المسيب. وقد ذكر لي والدي انه يتصور ان البكر بهذا السلوك حفظ لنفسه (خط رجعة) في حال فشل الثورة ليلقي باللوم على الرئيس الاول محمد احمد العلي والذي لم يكن ليخون رفاقه الضباط رغم عدم انتمائه لتنظيم الضباط الاحرار.

 

صبيحة الثورة

فوجئ والدي اثناء حلاقته الصباحية بنبأ قيام الثورة وهنا علم من والدتي بزيارة احمد حسن البكر (كنا ننام مبكرا لغياب اي وسائل للترفيه مثل التلفزيون في تلك الفترة بينما كان والدي يعود متأخرا من سهراته مع اصدقائه) فذهب على عجل الى الحامية ووجد جنود فوجه في ساحة العرضات استعدادا للتدريب الصباحي ففتح راديو السيارة وسمع منه الجنود نبأ قيام الثورة وبث فيهم روح الحماس. لكنه فوجئ بقدوم الزعيم الركن وفيق عارف ببدلته العسكرية ورافعا على سيارته علم آمر اللواء. ولم يكن من المعتاد ان يأتي وفيق عارف مبكرا الى عمله. وكانت قيادة الثورة قد احالت وفيق عارف على التقاعد وعينت آمرا جديدا للواء هو العقيد الركن عبدالجبار يونس والذي كان آمرا للفوج الاول في اللواء. وكان الزعيم عبدالكريم قاسم قد استفسر (عن طريق المهداوي) قبل الثورة عن من يصلح لخلافة وفيق عارف فرشح والدي عبدالجبار يونس. ويعود هذا الترشيح الى قيام والدي بمناقشة الاوضاع السياسية في العراق وحرب فلسطين وقضية الوحدة العربية مع عبدالجبار يونس وكان الاخير يبدي تعاطفا معه.

 

بادر والدي (برفقة الرئيس اسماعيل صالح والرئيس طارق رشيد والنائب الضابط الاحتياط غسان لطفي) بالذهاب الى بيت عبدالجبار يونس لتهنئته بمنصبه الجديد والطلب منه القدوم الى مقر اللواء لمنع البلبلة. لكن العقيد يونس رفض تصديق الاذاعة وتردد عن الالتحاق الفوري باللواء. في هذه الاثناء امر والدي بعض جنوده بقيادة نائب العريف المخابر غانم دوحي بإحتلال بدالة تيلفونات الحامية فإستدعاه وفيق عارف واستفسر منه عن هذا الاحتلال فأدعى والدي التباسا في الامر وسحب جنوده مؤقتا. وكان وفيق عارف قد ارسل المقدم مهدي الدريعي بالملابس المدنية الى بغداد للتجسس على مواقع الثوار.

 

قرر وفيق عارف بالاتفاق مع قائد فرقته عمر علي تنفيذ «خطة امن بغداد» وأصدر اوامره بهذا الخصوص. وعند وصول عبدالجبار يونس الى مقره بادر هذا بإتخاذ خطوات التنفيذ. ولم تنفع مع عبدالجبار يونس مناشدة والدي ومحاولاته المتكررة ولا المحاولات التي قام بها ضباط آخرون بإستلام قيادة اللواءالاول (التفاصيل موجودة في الجزء العاشر من المحاكمات وجريدة الثورة العدد 354 وتقرير الرئيس الاول عبدالجبار عبدالكريم الى الزعيم عبدالكريم قاسم). اصر  العقيد عبدالجبار يونس على انه آمر فوج يتلقى اوامره من آمر اللواء وفيق عارف. بل قام بترتيب مؤتمر لآمراء سرايا فوجه (ومنهم والدي) حيث اعطى امره الانذاري بالحركة على ان يكون الفوج جاهزا للحركة في الساعة التاسعة والنصف. وهنا واجه الضباط الاحرار مشكلتين: الاولى آمر اللواء القديم والثانية آمر اللواء الجديد الذي عينته الثورة والذي يرفض استلام منصبه. ومما عقّد الامور اكثر كون وفيق عارف ضابطا محبوبا من قبل جنود وضباط اللواء فضلا عن كونه شقيقا لرئيس اركان الجيش.

 

اثناء هذه الاحداث كان بعض الضباط الاحرار في الفوج الاول وهم الرئيس اسماعيل صالح والرئيس جميل خليل الحداد والرئيس طارق رشيد والملازم فالح حمود الناصري (بعد الثورة قَتَلَ صدام حسين التكريتي اخاه الحاج سعدون وبتحريض من خيرالله طلفاح) والنائب الضابط الاحتياط غسان لطفي يجتمعون تحت قيادة والدي وفي غرفته لمراجعة الموقف واتخاذ الخطوات الحاسمة. وانضم اليهم وبحماس آمر المفرزة الآلية الرئيس طارق عباس حلمي كما حضر الملازم الآلي محمود فرج (شقيق محمد فرج) واخبره بقيامه بتعطيل سيارات السرية النقلية السادسة. وتعهد للوالد ضابط الاعاشة الملازم مدحت الحاج محمد خضر بأنه لن يوزع الاعتدة ولن ينفذ إلاّ اوامر الوالد. واثناء احدى الاجتماعات اقترح الرئيس طارق رشيد الموافقة على حركة اللواء الاول الى بغداد ثم اغتيال وفيق عارف ومن يؤازره في الطريق. لكن والدي رفض ذلك رفضا باتا لا بسبب رفضه للحل الدموي فحسب وإنما لتخوفه مما قد تثيره حركة اللواء الاول الى بغداد من مقاومة للثورة وربما التدخل الخارجي. واصر على منع حركة اللواء الاول الى بغداد بأي ثمن.

 

حسم الموقف

اتخذ المجتمعون قرارا بإعتقال الزعيم الركن وفيق عارف والعقيد الركن عبدالجبار يونس والمقدم الركن داود البدر والمقدم الركن نجيب محمد علي والمقدم حسن علي زكي والرئيس ناجي كريم القيسي وهؤلاء كانوا منحازين الى موقف وفيق عارف ومن اعوانه. فجمعوا عشرة جنود من كل سرية من سرايا الفوج الاول. ذهب والدي مع مجموعة الجنود بقيادة النائب الضابط الاحتياط غسان لطفي والنائب الضابط الاحتياط هادي عليوي والرئيس جميل خليل الحداد والرئيس طارق رشيد والرئيس طارق عباس حلمي وقام بتوزيع الجنود في اماكنهم في مقر اللواء. دخل والدي على وفيق عارف واخبره بأنه معتقل لكن وفيق عارف قال له (اطلع بره، اطلع بره) وكان يتحدث بالتيلفون (هلو باشا، ديوانيه، هلو باشا) فأدرك الوالد ان وفيق عارف كان يتحدث مع عمر علي. فخرج من الغرفة وذهب بسرعة لأعادة احتلال بدالة تيلفونات الحامية وعند عودته وجد وفيق عارف يحاول التحدث مع الجنود فطلب منه والدي دخول غرفته واخبره انه معتقل وأن والدي يضمن سلامته الشخصية وسلامة عائلته وممتلكاته. وهنا وصل الملازم كامل محمود واطلق رصاصتين من مسدسه في الهواء فأمره الوالد بالتوقف عن الاطلاق لما قد يسبب ذلك من ردود فعل في تلك الاجواء المتوترة خصوصا وأن بعض جنود الفوج الاول كان يطلق النار في الهواء. في هذه الاثناء عاد العقيد يونس من بيته حيث ذهب لارتداء بدلة الشغل استعدادا للحركة الى بغداد. فأمر والدي بإعتقاله فمسكه المقدم عبدالهادي الرواي وبعض الجنود وشهر الرئيس طارق عباس حلمي مسدسه عليه فدخل هو الاخر الغرفة وتم اعتقال بقية الضباط بسرعة. والعملية انتهت في حدود الساعة الثامنة وخمسين دقيقة.

 

وبعد فترة وجيزة تمكن وفيق عارف وجماعته من كسر باب الغرفة وخرجوا منها فعاد والدي مسرعا اليهم وأمر بإحضار نجارا حيث قام النجار ببسمرة الابواب الى حين نقل المعتقلين الى بغداد في حدود الساعة الحادية عشرة. حاول الجنود الاعتداء على المقدم مهدي الدريعي عند عودته من بغداد في حوالي الساعة الحادية عشرة وانقذه منهم الملازم كامل شبيب وتم اعتقاله بعد استشارة والدي.

 

وبقيت مشكلة تسليم قيادة اللواء الى ضابط آخر وحسب القدم العسكري كان آمر المعامل الحربية في المسيب العقيد محمود احمد مظلوم المرشح الاول لكن والدي تذكر انه من اقرباء واصدقاء عبدالجبار يونس. فقرر ان يسلم قيادة اللواء الى العقيد فاضل عباس المهداوي. لكن المهداوي اختفى عن الانظار. أرسل والدي رئيس عرفاء السرية محسن حسان فرفض المهداوي الحضور ثم بعث والدي النائب العريف عبد حمود فعاد هذا بخفى حنين وكرر والدي الطلب بإرسال العريف في الانضباط العسكري عبدالامير (لم يتذكر والدي بقية اسمه) فعاد ايضا من دون نتيجة. وفي المرة الرابعة ارسل والدي الرئيس طارق عباس حلمي والملازم غازي محمود شكري حيث جلبا المهداوي اليه. وكان المهداوي قد قال للمبعوثين انه يخشى ان يقوم والدي بقتله فبعث والدي من يطمأنه بل ان والدي نفسه كان يخشى ان يغتاله احدا من جماعة وفيق عارف. امر والدي بتجميع الفوج الاول والفوج الثاني في ساحة العرضات. وعند حضور المهداوي اعلن والدي امام الجنود: (اهنئك. قررت تعيينك بأسم الشعب آمرا للواء وعليك ان تباشر هذا الواجب ونحن من ورائك. لقد فشلت حركة التمرد في اللواء وتم اعتقال المتمردين). كما عين والدي المقدم عبدالمحسن الدفاعي آمرا للفوج الثاني والمقدم عبدالهادي الراوي آمرا للفوج الثالث وتولي هو قيادة الفوج الاول وكالة.

 

وكان احد الضباط الاحرار قد اخذ اجازة مرضيّة لمدة شهرين بعد وصول تحذير المهداوي الاولي بقرب قيام الثورة. لكنه عاد ظهر يوم الثورة وطلب من الوالد ان يعينه بمنصب فعاتبه الوالد على اخذ الاجازة والتهرب من المسؤولية. ورغم ان والدي لم يذكر اسمه لأحد فقد توصلت بما لا يدع مجالا للشك بأن هذا الضابط هو المقدم اكرم محمود.

 

الموقف في بغداد والديوانية

وانقل عن الموقف في بغداد حيث كانت قيادة الثورة متواجدة في وزارة الدفاع من ما كتبه خليل ابراهيم حسين على الصفحة 56 من الجزء الاول من موسوعة 14 تموز (الصراعات بين عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف): «حضر إمام الفوج الثاني اللواء الاول واخبر بأن آمر اللواء الاول العقيد الركن وفيق عارف انذر لواءه ووزع السلاح والعتاد والموقف خطير وان اللواء سيزحف على بغداد. ناقش  عبدالكريم قاسم الموقف مع عبدالسلام عارف وتقرر مجابهة القوة بالقوة وقيادة اللواء التاسع عشر من قبل عبدالكريم الذي كان يعسكر في بغداد الجديدة وخرج عبدالكريم قاسم من وزارة الدفاع وبصحبته عبدالوهاب الشواف بعد ان اعطى لواءه امرا انذاريا باللاسلكي وتحمس عبدالسلام وقال سيدي: اسرع وحرك اللواء وإلا سأذهب انا لقيادته فإلتفت عبدالكريم اليه بغضب ثم عاد الى وضعه بسرعة خاطفة ... ووصلت الاخبار الى وزارة الدفاع بأن سيطرة الضباط الاحرار على اللواء الاول قد تمت وأن آمر اللواء قد اعتقل وهو في طريقه الى بغداد موقوفا».

 

 ويذكر كتاب «مجزرة الرحاب» ان نوري السعيد يوم الثورة «كان يحاول الذهاب الى المسيب حيث يرابط اللواء الاول لكن الفوضى كانت شديدة» في بغداد. وتؤيد هذا عصمت السعيد (زوجة صباح نوري السعيد) غير انها تخطأ عندما تذكر ان وفيق عارف كان قائدا «للفرقة الرابعة في الشمال».

 

اما الموقف في الديوانية فقد ظل حرجا حيث «بقي عمر علي مسيطرا على الموقف حتى مساء 14 تموز وكان جميع الضباط في الديوانية ملكيين اكثر من الملك ولكن الذي سقط بيد عمر علي هو استيلاء الضباط الاحرار على اللواء الاول في المسيب ومقتل اقطاب النظام». (ص 358، خليل ابراهيم حسين: عبدالكريم قاسم اللغز المحير، موسوعة 14 تموز، ج 6).

 

الموقف الدولي

شعر قادة الثورة بقلق شديد من الانزال الاميركي في بيروت والانزال البريطاني في الاردن خصوصا وما زالت ذكرى العدوان الثلاثي والاحتلال البريطاني للعراق بعد حركة مايس 1941 عالقتان في الاذهان. ومن مجمل الوثائق السرية الاميركية والبريطانية ان احتمال التدخل العسكري في العراق كان واردا خصوصا وأن الاردن كان يضغط على بريطانيا والولايات المتحدة من اجل هذا التدخل. ومن الغرابة تماما ان يدعي الملك الاردني الراحل حسين في (مهنتي كملك) عكس هذا. ويبقى موضوع التدخل العسكري الاجنبي ضد الثورة في ظل التكهنات لو نجح اللواء الاول في الوصول الى بغداد وقاوم الثورة. لكن الشئ المؤكد ان احباط تمرد آمر اللواء الاول ادى الى منع سفك للدماء لا مبرر له.

 

إدعاءات البطولة

ذكر صبحي عبدالحميد في مذكراته ان عارف عبدالرزاق احبط حركة اللواء الاول عندما ارسل طائرتين من الحبانية لقصف اللواء.سألت عارف عبدالرزاق مستفسرا عن الموضوع (في رسالتين، صيف 1996) وعن صحة ادعاء صبحي عبدالحميد ففي اي وقت قام بأرسال الطائرتين، وبطلب ممن؟ ومن هما الطياران؟ وهل قدّما او قدّم هو تقريرا عن هذه العملية؟ وهل دخلت مواعيد وأهداف وغاية الطلعة الجوية في سجل الطيران  Logbook للطيارين؟ لكن عارف عبدالرزاق لم يرد على الرسالتين.  الا ان عارف عبدالرزاق كرر هذه الادعاءات في شهادته على العصر على قناة الجزيرة والتي كان واضحا من سرده لاحداث المسيب انه لا يلم بتفاصيل ما حدث لكنه اقرّ في محادثة تلفونية معي بعد بث «شهادته» بأن والدي هو الذي سيطر على اللواء الاول وأعتقل وفيق عارف.

 

ومن الغريب ان لا يذكر صبحي عبدالحميد ادعائه هذا اثناء ندوة «الذاكرة التاريخية» والتي تمت بعد صدور كتابه بعدة سنوات وكان حاضرا فيها حيث نوقشت قضية السيطرة على اللواء الاول وكان والدي موجودا ايضا. والاغرب من ذلك ان صبحي عبدالحميد اعاد نشر مذكراته عام 1994 مصححا اخطاء طبعته الاولى ومعتمدا على ندوة الذاكرة التأريخية في تصحيحاته لكنه ترك ادعائه عن عارف عبدالرزاق من دون تغيير! وأخشى ما اخشاه هو قيام صبحي عبدالحميد بمنح هذا الدور من دون استحقاق لرفيقه في حركة القوميين العرب عارف عبدالرزاق. وفي احسن تقدير ان يكون صبحي عبدالحميد قد اعتمد على بعض «القصص» التي سمعها في مقر وزارة الدفاع حين التحق للعمل فيه في نهاية شهر تموز بعد انتهاء احتجازه في الاردن حيث كان في زيارة مع وفد من كلية الاركان العراقية عند قيام الثورة. ومصدر هذه القصص هو عبدالسلام عارف. فقد حدث ان يزور والدي مقر وزارة الدفاع في اليوم الثاني للثورة للسلام على قادة الثورة وتهنئتهم بنجاحها.  فإلتقى اولا بعبدالسلام عارف الذي قال له «اهنئك انت اصبحت عضوا في مجلس قيادة الثورة» وهو المجلس الذي اراد عبدالسلام عارف تشكيله من الضباط الاحرار الذين كانوا لهم دور في الثورة ولم يوافق عليه عبدالكريم قاسم. فشكره والدي قائلا «انا جندي من جنود الثورة وسأخدمها في اي منصب ترتأونه». ثم سأل والدي عبدالسلام عارف عن رأيه بما قام به هو في المسيب فرد عبدالسلام عارف مازحا «انا لم أكن خائفا من اللواء الاول. كنت سأبعث بطائرتين لقصفه اذا تحرك».

 

ومنح هلال ناجي دور السيطرة على اللواء الاول الى كل من المحامي المدني عبدالرحيم الراوي والعقيد احمد حسن البكر. لكن البكر وبعد احد عشر عاما من الصمت وحياكة الاساطير عن دوره في الثورة وبعد ان اصبح رئيسا للجمهورية اعلن في تصريح صحفي ان دوره كان بسيطا لا يتعدى تبليغ الضباط الاحرار في المسيب بموعد قيام الثورة (انظر صحيفة الحرية في 14 تموز 1969). ورغم ذلك استبدل نجم الدين السهروردي في كتابه (التاريخ لم يبدأ غدا) اسم والدي ووضع اسم البكر محله وفي كل دور بما فيه (بسمرة الابواب).

 

اما عبدالهادي الراوي فقد بدأ يبث قصص بطولاته فور ارسال المعتقلين الى بغداد. ونقلها عنه خليل ابراهيم حسين من دون ان ينتقص من دور الوالد في الجزء السادس من «موسوعة ثورة 14 تموز». وفي نهاية الثمانينيات قام الملازم كامل محمود بأدعاء البطولة لنفسه وشتم المهداوي. ومن الطريف ان كامل محمود نسب دور البطولة الى المهداوي اثناء محاكمة وفيق عارف قائلا للمهداوي: (كنت الكل بالكل)!

 

ومن الغريب ايضا ان المقدم الركن صبيح علي غالب (عضو الهيئة العليا للضباط الاحرار) انتقد الوالد (من دون ان يسميه) على «تسرعه» في اعتقال وفيق عارف. في الواقع تردد صبيح علي غالب كثيرا بل تلكأ عن اداء واجبه ولم يحسم الامور في كركوك مع قائد فرقته الزعيم الركن عبدالوهاب شاكر. ومن حسن حظه وحظ الثوار في بغداد ان الوضع لم يكن في كركوك بنفس حراجة الموقف في المسيب. كما أن قيادة الثورة كانت قد عينت عبدالوهاب شاكر متصرفا للواء الحلة مما جعله يتردد هو الآخر قبل ان يقوم بمقاومة الثورة فعليا. ثم انتهى الامر مساء يوم الثورة عندما وافق عبدالوهاب شاكر على الالتحاق بمنصبه الجديد. يبدو ان صبيح علي غالب قد نسى ان الحسم هو من خصائص بل من متطلبات القيادة الجيدة. فأي تردد من جانب والدي في المسيب كان سيجلب كارثة على الثورة.

 

 

بعض الشهادات عن دور الوالد

 في احدى المناسبات الرسمية اعرب الزعيم عبدالكريم قاسم عن تقديره للوالد في خطاب علني قائلا  «كل ما اراك افرح كثيرا. ان هذا الرجل له تاريخ سابق في فلسطين وله في هذا اليوم تاريخ ..» (انظر الصفحة الاولى والصفحة الثالثة من جريدة الثورة،  10 كانون 1960 (العدد 354) : من اسرار اليوم الاول للثورة المباركة. رجل له تأريخ يكتب مذكراته «للثورة». القصة الكاملة للقضاء على تمرد آمر اللواء الاول). كما منح الزعيم الوالد قدما ممتازا لمدة ستة اشهر ووسام الرافدين العسكري وهو على حد علمي الضابط الوحيد من ضباط الثورة الذي كوفئ على دوره في الثورة. وفي كتاب قائد الفرقة الاولى الزعيم الركن سيدحميد سيد حسين (الرقم: ح/ش3/31/317 - التاريخ 1960/2/23) الى المقدم عبدالجبار عبدالكريم يطلب منه كتابة تأريخ ما حدث «لكونكم لولب الحركات والفعاليات التي قام بها اللواء الاول في المسيب يوم 14 / تموز / 1958 وما بعده وبطلا من ابطال الثورة في موقع المسيب».

 

كما ذكر كاظم جاسم العزاوي في مذكراته: «قام الرئيس الاول عبدالجبار عبدالكريم، مبديا شجاعة نادرة واندفاعا متميزا، يساعده الملازم الاول طارق عباس فضلي [يقصد حلمي] والضباط الآخرون بإعتقال آمر اللواء وهيئة ركنه. وبعد ذلك هيأوا اللواء للحركة الى بغداد لمساندة الثورة لا لمقاومتها، وهنا برز المهداوي الذي استلم اللواء... ».

 

ورغم ان شهادة سعدون عبدالرزاق حلمي مليئة بالمغالطات والمبالغات فمثلا عاد هو وأحمد حسن البكر الى المسيب حوالي الساعة الحادية عشرة صباح 14 تموز وبعد استتباب الامور والسيطرة على اللواء الاول ولم يكن للبكر اي نشاط إلا انه يقول بأمانة «ووجدنا الاخ الشهم المقدم عبدالجبار عبدالكريم - واني اقولها للتاريخ لولا هذا الرجل لكان الموقف في المسيب قد اخذ وجها آخر». (رسالة الى مجلة «آفاق عربية» نشرت في «الذاكرة التاريخية» ايضا).

 

وذكر اسماعيل العارف ان الرئيس [الاول] عبدالجبار عبدالكريم والرئيس طارق عباس حلمي قاما بالسيطرة على اللواء الاول. وذكر الدكتور محمد حسين الزبيدي في اطروحته المنشورة عن ثورة 14 تموز بأن الرئيس الاول عبدالجبار عبدالكريم السريراتي قام بالسيطرة على اللواء الاول. [ هناك خلاف حول تفسير لقب العائلة السريراتي فالبعض يقول انه جاء من إلبو سارة احدى عشائر الجبور والبعض الآخر يقول انه جاء من مهنة اجدادنا في صنع الأسرِّة] .

 

ورغم ان الزعيم الركن عبدالوهاب الامين (عضو الهيئة العليا للضباط الاحرار ) قال لي في لقاء في لندن في 20 تموز 1996 وبحضور الدكتور سعد نجل الزعيم الركن عبدالوهاب شاكر «ان والدك بمفرده سيطر على اللواء الاول والحامية بكاملها» فقد توخيت ان اذكر الاسماء والادوار التي قام بها كل الضباط والجنود وأن أفي كل واحد منهم بحقه.

 

 قمت بنقل هذه الحوادث معتمدا على المراجع التي صدرت في وقتها ففيها تفاصيل ادق عن ما حدث في المسيب. كما اعتمدت على المصادر التي صدرت مؤخرا حيث اتسمت لغتها بنضوج اكثر. واعتمدت على احاديث عديدة مع المرحوم الوالد حول الموضوع. وبلا شك هناك تناقض في شهادات الشهود. فمثلا في كل المصادر ذكر والدي انه كان يهتف بحياة الزعيم الذي سبق وأن قاد الفوج الاول في حرب فلسطين لكنه لم يذكر (اثناء ذروة الصراع بين عبدالناصر وعبدالكريم قاسم) انه كان يهتف ايضا بحياة الوحدة العربية وجمال عبدالناصر. ومن اخطاء الوالد قيامه بالتستر على سلوك صديقه احمد حسن البكر ليلة الثورة. وكذلك اضفى على المهداوي دورا في السيطرة على اللواء الاول عندما قال انه (تشاور معه في كل الخطوات وان المهداوي كان «مشغولا في مشاجب السلاح اثناء البحث عنه». وفي كلتا الحالتين ندم الوالد على سلوكه الذي قام به وفاء للصداقة والزمالة. لكن للاسف استغل هؤلاء شهامة الوالد للدعاية الشخصية في الوقت الذي كان سلوكهم الفعلي مشينا ومتخاذلا. وآمل اني تمكنت من تقديم ادق صورة ممكنة لما حدث.

 

 

المصادر

 1. تقرير عن احداث المسيب في 14 تموز 1985 من الرئيس الاول عبدالجبار عبدالكريم (وكيل آمر الفوج الاول) الى الزعيم عبدالكريم قاسم. (نسخة منه في دائرة الاستخبارات العسكرية وفي مقر قيادة الفرقة الاولى).

 2. كتاب قائد الفرقة الاولى الزعيم الركن سيدحميد سيدحسين (الرقم: ح/ش3/31/317 - التاريخ 1960/2/23) الى المقدم عبدالجبار عبدالكريم.

 3. جريدة الثورة،  10 كانون الثاني 1960 (العدد 354).

 4. محاضر  جلسات المحكمة العسكرية العليا الخاصة (محكمة الشعب). الجزء العاشر. بغداد 1960.

 5. مجموعة من الوثائق السرية الاميركية والبريطانية المتعلقة بثورة 14 تموز.

 6. اسماعيل العارف: اسرار ثورة 14 تموز وتأسيس الجمهورية في العراق. دار الماجد، لندن 1986.

 7. خليل ابراهيم حسين: ثورة الشواف في الموصل (الصراعات بين عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف). موسوعة 14 تموز ، الجزء الاول. دار الحرية، بغداد 1987

 8. خليل ابراهيم حسين: عبدالكريم قاسم اللغز المحير. موسوعة 14 تموز ، الجزء السادس. دار الحرية، بغداد 1989.

 9. صبيح علي غالب: قصة ثورة 14 تموز. دار الطليعة، بيروت 1968.

10.صبحي عبدالحميد: اسرار ثورة 14 تموز 1958 في العراق. الطبعة الاولى، مكتبة بشار. بغداد 1983.

11.صبحي عبدالحميد: اسرار ثورة 14 تموز 1958 في العراق. الطبعة الثانية، الدار العربية للموسوعات، بيروت 1994.

12.الذاكرة التأريخية لثورة 14 تموز 1958. دائرة الشؤون الثقافية العامة، بغداد 1987.

13.عصمت السعيد: نوري السعيد، رجل الدولة والانسان. مبرة عصام السعيد، لندن 1992.

14.مجزرة الرحاب. دار الحياة، بيروت 1960.

15.د. محمد حسين الزبيدي: ثورة 14 تموز في العراق. دار الحرية، بغداد 1983.

16.محمد حمدي الجعفري: محكمة المهداوي. الجزء الاول، دائرة الشؤون الثقافية العامة, بغداد 1990.

17.نجم الدين السهروردي: التأريخ لم يبدأ غدا. الطبعة الثانية، شركة المعرفة، بغداد 1989.

18.كاظم جاسم العزاوي: ثورة 14 تموز، اسرارها، احداثها، رجالها حتى نهاية عبدالكريم قاسم. شركة المعرفة، بغداد 1990.

19.هلال ناجي: اضواء على حكم عبدالكريم قاسم. دار الكرنك، القاهرة 1962.

20.King Hussein: Uneasy Lies the Head. Heinemann, London 1962