Make your own free website on Tripod.com

الموسم

المتحد العالمي

 

 

 

 

الأستاذ الشاعر فرات الأسدي

 

          لقطاف المواسم تستقبل الأرض عمرها المتجدد الآخر ، الممتد ، والموزع الى أعمار متلاحقة أخرى لا تكاد تنتهي .. وفي القطاف يزداد عمر الأرض أي يضاف اليها بمقدار ما يُقطف منها ، في متواليةٍ خلقيةٍ مبدعة ، تهب لتكتسب ، خصباً وطراوة وربيعاً ، وعند المواسم تضيق الأرض بنفسها ، وبعد أن يكون المطر قد سرَّب شرايين أنهاره في جسدها وتمرَّغ بها وفاجأه بدفقه واحتدامه واكتساحه لأوصالها الباردة الخائفة ، التي أصبحت منسحقة ممرَّغة بها لتعود معه وفيه دافقة محتدمة نابضة .

          ان المواسم في الأرض حالة من البعث والاقتران والخَلق المتجدد بصراعٍ داخليٍّ مستمر مع الرتابة التي تحاول أن تبلد الرحم وتسلب البذرة .

          وحيث تكون أمُّنا الأرض هكذا ، فإنَّ ابنائها المنشدّين الى طينتها ، النازعين الى مشاكستها .. تشتبك مواسمهم في اختلاف الحركة وائتلافها على مدارات ضيقةٍ وواسعة .. صغيرة وكبيرة ، مشغولة بأدائها ضمن نسقية هذا الكون المتمادي الرهيب . اذن فمواسمنا المتداخلة حدّ النفور ! ، المتباعدة حدّ الحب ! ، لا تمثل ذاتها فقط ، وفي كل موسمٍ إرهاصاتٌ ونذر ، وبداية ونهاية ، وأعاصيرُ وأنواء ، واشتعالٌ وانطفاء ، وقلقٌ وركون .. ومع هذا الضجيج الصاخب اللاهي الجاد ، تنكشف مدياتٌ عن أخرى ، وآفاق عن غيرها ، وعوالم عن سواها ، يقودها الى ذلك قطبٌ واحدٌ هو فعل الدهشة .. دهشة الاستكشاف ، والحلم ، والمغامرة ، والصراع السجال في عمق المواسم وأغوار جبلّتها الرائعة ! .

          وما لا يُعدُّ ولا يُحصى من الحالات الموسمية ، تكتنفنا وتُرافقُنا منذ أولِ خطوة بداية ، حتى آخر منعطف نهاية .. في الروح والجسد والوجدان ، وفي الخليقة وأنواعها التي يستحيل حتى التفكير باستقصائها !

          ولقد كان محمد سعيد الطريحي في موسمه المتلاحق المستمر نوعٌ من (التناسخ والحلول) بينه وبين كل ما ألمحنا إليه !! ، فهو يستظهره جميعه ويخرجه من التلغيز الى التحليل ، ويقتطع منه ويضيف اليه ويعالجه ويعانيه ويجمعه ويبعثره ويلتقطه ويضيّعُه ويتذكره وينساه ويقتله ويحييه ، ثم يتناسخ من (بعد) أن يحل فيه أو (قبل) ، ليؤدي به الى (وحدة الوجود) التي يلهج بها العرفاء والمتصوفة والفلاسفة والشعراء والدراويش ، أحباء محمد سعيد الطريحي وأصدقاؤه السنخيون ، وهو من أجل ذلك يرتاد الشرق الأدنى والهند والتبت ، فيما عينهُ على ايران والخليج ومصر والشام ، وفي جيبه تركيا وتحت إبطه الأندلس ، وبين شفاهه السودان والمغرب ، وأمام بصره هولندا ، وعند سمعه بريطانيا ، ويفكر في أفريقيا ويحلم بالشيشان ، ويده تشير إلى القطب !!

          هذا هو المتَّحَد العالمي المسمى ((الموسم)) ، على أنََّ النسب الواضح الجليّ ينزع بجيناته الوراثية الى ثنائية (العراق التشيع) التي أخالها تختصر كل المواسم ، فحين وُلِد العراق تثاءبت حضارة الدنيا الراقدة الراكدة تحت ركام ما قبل التاريخ ، ثم تمطّت ودّقت صدرها لينبض فيه قلب وادي النهرين بأرضه الاسطورية الواهبة التي أمدها انسانه بفرات دمه ودجلته ، ليستمرَّ المعادل النوعيُّ للخصب ! وهكذا فأرض السواد كانت وما زالت بحاجة ملحة الى عروق من الدم نافرة داكنة تحفظ لها لونها الشائع المتوارث ، المختزن للنماء والخضرة والندى ، وحين وُلد التشيع ووعى المنطوق والمفهوم راح يبحث عن توأمه العراق .. حتى التقى به على مشارف الكوفة وعانقه تحت منبر علي عليه السلام ، ولا يعجبُ عاجبٌ ويغضبُ غاضبٌ فيرمينا بالتمحُّل ويحصب أفكارنا بالتزييف .. ذلك لأننا سوف ندعوه معنا للولوج الى التراث من بابه الأمامي الكبير ، الشاخص لا في العراق فحسب ، بل في كل وجهٍ عراقي وحالةٍ عراقية ، ولن يدهش أحدٌ حين يعي مدلول العراقة في العراق بما يحمله من جذورٍ سحيقة في التراب والانسان والأداة ، وعندما يكون العراق حاضراً فالعالم بخير ، فإذا غابَ أو غُيبَ .. تهبُّ على الدنيا أعاصيرُ متسارعة تصححُ فيها المعادلة ، وها هو التاريخ فليقرأه مَنْ شاء وليستوعب الظاهرة فيه .

          وإنَّ كل شيعيٍّ في أي قطر ، عراقيٌّ بالأصالة ، كما كل عراقيٍّ شيعيٌّ بالمجانسة ، وهل نستطيع أن نقول للنهرِ ارفض ماءك ؟ أم نأمر الشمس فتطلق ضوءها ؟ أم ندعو الأشجار لتتنكَّر لخضرتها ؟ وحين يستحيل كلُّ ذلك فإنَّ ثنائية ( التشيُّع العراق ) لن تُمحى ولن تُشطب ولن تستبدل لتبقى هي الأوهب والأرسخ والأعرق .. حتى استشراف قدرها القادم المخبّأ لها في غيب الرسالة والإمامة .

          ولن نظلم أحداً في غمار ذلك لننصف أنفسنا .. لكنه القدر الأوحد الذي ساقتنا إليه المشيئة ، ودفعنا استحقاقاته الفادحة المستمرة عن طيب قلب ، وصبرٍ وجلد ، واستقتالٍ غير متكافئ مع الخصم ، ولكنه بطوليٌ استشهاديٌ نادر !


 

ويتراءى لنا خلال ذلك ، في الدائرة الأوسع أنَّ العالم أجمعه يحمل ملامحنا ويتناقلها ويتهاداها ويحاكيها ويتمثَّلها ، لا سيما ونحن موزعون على خرائطه الشاسعة في مؤامرة دولية شاملة تتلاحق انفجاراتها منذ أن نزع صمام أمانها الكريه (دعيُّ بغداد) حتى زمنٍ مؤجَّل نحاول اقتناصه عاجزين لاهثين ، اذ يبتكر لنا فيه الآخرون ملهاة لكل يوم ومشغلة عن كل شيء ، فيما شعبنا يجوع ويعرى ويشقى ويموت بالمجان ، ليتم مسخه من بؤرة حضارةٍ الى بئر بترول ومن ساحة رفضٍ الى حقل تدجين .. وليغيب ذلك الوعي اللماح والنكتة اللاذعة والاستعصاء غير المُنقاد ، والفورة في العاطفة ، والصدق في التعامل مع الأشياء ، والنخوة والشجاعة والكرم وكل المثل العليا التي درج عليها العراقي وتناقلها عبر أجياله .. إلى ركامٍ من الخيبة والفشل والانكفاء ، وهو ما لا نسمح به ، ونواجهه بمصائرنا ودمائنا وآخر ما لدينا من وسائل الدفاع .. حتى الأسنان والأظافر !

          وما أحرى الموسم اليوم بتأكيد هذه الثوابت وتجذيرها ، والدعوة الى تفعيلها وصيانتها ، ومن خلال هذه المطبوعة التي تناهبها الى جانب هذا الهم الخاص هم الاستمرار على وتيرة متوازنة تعنى بمشكلات الأصالة والتجديد و والهوية والالتقاط والانفتاح والثقافة ، ومد الجسور ، واكتشاف المجهول وتنقيب الآثار ، وإيجاد مناخاتٍ حرة مفتوحة تتلاقى فيها الآراء وتتلاقح وتنتج وتكون بدائلها الثرية المخصبة القادرة على الوقوف في زحمة الضجيج التقني والإعلامي والسياسي وغيره ، الذي يكتنف العالم اليوم .

          فلنحمد إذن للموسم وصاحبها ، هذا العطاء الدافق الثر ، ولنشدَّ على يديه في الطريق إلى محطات من الموسم أخرى واعدة .

فرات الأسدي

12 \1995م